معلمتي شيخة، وشقير، وآخرون
رايه نيوز: معلمتي شيخة كانت تخطر في الفصل بأبهة وخيلاء تشابه حكماء دلفي في الأزمان الغابرة. تضحك، فتبين غمازتيها مع التماعة من الاخضرار في عينيها العسليتين، وتبدي ملاحظات كانت مثل ذهب وفضة بالنسبة لنا. لم تكن تختلف عنا كثيراً، فبلباسها البسيط، وهيئتها المتقشفة، كانت تشبهنا إلى حد أنها تبدو مثل واحدة منا، نحن تلميذات مدرسة أريحا للبنات. ربما كان ما يؤكد تميز معلمتنا طولها الفارع ليس إلا، والذي كان يعزز كونها معلمة تسوس الصف بالحسنى، وتقنعنا بأن نناقش ما نقرأ ليس عبر الوعظ أو التهديد، بل لأنها تعيرنا كتبها، ومعظمها كان من روايات الهلال الشعبية الرخيصة الثمن، وتجعلنا نحضر كتبنا التي نطالعها في البيت ثم نتشارك استعارتها، وما اقتنعت قط بجدوى ما نقرأه دون إعمال النظر والتفكير ومد النقاش. ولم تقبل أن تدعي واحدة منا أن مطالعة الدار كافية، لهذا جعلتنا نثبت أمامها مراراً وتكراراً بأن القراءة فعل جماعي لا يقتصر على المرء وحده. فبغير هذا التفاعل لا يمكن تبادل الأفكار الإبداعية مع الآخرين وتطويرها. وليس إلا هي من اكتشف مواهب وأفكار فتيات عديدات أزهقهن الخجل والإهمال العائلي والاجتماعي المتواصل. كانت المعلمة الأكثر تأثيراً في المدرسة، لأنها علمتنا أن نتبادل الآراء، ونخلق جواً ثقافياً لا يقتصر على كتابة مواضيع الإنشاء، بل يجاوزه إلى طرح أسئلة فلسفية جادة نتشارك في الجدل وإعمال العقل حولها.
الكاتب محمود شقير لم يكن معلمي في المدرسة، لكنه كان الأول مع الناقد الراحل خليل السواحري اللذين نشرا لي قصتي الأولى في زاوية جريدة فلسطينية كرست للقصة القصيرة. ومع أنني لا أعرف حتى الآن إن كنت قد قمت حينها أنا الطالبة التي لا تمتلك الجرأة للمجاهرة بأنها سوف تكون كاتبة تستحق النشر قد قمت بتوقيع القصة باسمي الحقيقي، لكني أذكر أن ما كان أهم من النشر حينها التعليق الذي نشر معها، فقد أعطاني المدى والرؤية للطريق. لقد كان التعليق بمثابة لافتة توجه المرء حين يحتار على مفرق طرق، ولهذا تيقنت وقتها بأن الكتابة الأدبية ستكون حياتي التي أتشارك بها مع الآخرين كما علمتني ست شيخة في مدرسة أريحا. وما زال الكاتب والمعلم محمود شقير يقوم بمهمته في الإطلالة على شرفات الكتابة الشابة حتى هذه اللحظة بحمية جندي يحرم عليه ضميره مغادرة الميدان مهما تعقدت الظروف وتشابكت. ومنذ سنوات كثيرة ما زلت ألتقيه في ميادين شتى، فأجده محافظاً على لياقته الفكرية، ومرونته الإبداعية، وجديته في النظر إلى الكتابات الجديدة ومواكبتها. ولقد تزاملنا في العمل في وزارة الثقافة، وقمنا بكتابة سيناريو فيلم روائي سينمائي مشترك استعان صاحبه ببعض المشاهد التي كتبناها دون أن يذكر اسمينا، ولطالما عملنا في مشاريع ثقافية مشتركة، وقابلنا وفوداً أدبية من شتى أنحاء العالم، ودائماً يظل المعلم الكبير هوَ هوَ، صديقاً قريباً، ودليلاً مخلصاً لطرقات القدس القديمة وأزقتها، وإنساناً بكل معنى الكلمة لا يكون بإمكانه الترفع عن رفد أجيال وأجيال من الكتاب بالتعليق والإرشاد.
قبل أقل من عامين، هاتفني الأستاذ عبد الله أبو رحمة من مدرسته في بيرزيت، وطلب مني أن أُعلق على نص كنت قد كتبته حول ذاكرة المكان في أريحا، ثم أخبرني أنه سوف يفتح مكبر صوت الهاتف كي يسمع الطلاب تعليقي. حكيت لهم لمدة دقائق عن تعلقنا بالمكان، لأنه ذاكرتنا في بلدنا المهدد بالضياع بسبب وطأة احتلال استعماري استيطاني يهدم الأرض وما عليها. وعندما انتهيت من الكلام توقف الصمت الكامل، وطاف بغتة من الهاتف صوت الأولاد وهم يهللون سعداء بكلامي الذي ارتبط لديهم بمكان حقيقي، ومدينة حقيقية تستحق الحب والإعزاز بما يعبر عن قدرة كاتب النص الإنسانية على الوصول إلى الأذهان والقلوب عبر شرحه الخاص، مما يتجاوز قدرة النص وحده أحياناً. لقد جعلهم أستاذهم عبد الله أبو رحمة يرونني مثلهم إنساناً يحب أرضه ويشاركهم هذا التعلق، لكنه يمتلك زاوية ووجهة نظره الخاصة في حب هذه الأرض، وذلك المكان.
أحياناً، أحسب أنهم اعتقلوا عبد الله أبو رحمة، أبرز رموز المقاومة الشعبية للجدار في بلعين، وأدانوه بما لا يشكل إدانة على الإطلاق في أي بلد آخر في العالم، لأنه لم يكتف بحب الأرض بشكلها المجرد، ولم يرفع شعارات سياسية خطابية حولها. لقد ساهم من خلال عمله مع زملائه الذين يشكلون واجهة للمقاومة ضد مرور الجدار بيننا في صمت وهدوء في جعل الآخرين يكتشفون وجهات نظرهم الخاصة في الانتماء الواعي، وفي تشكيل مقارباتهم الشخصية جداً لهذه الأرض بما يجعلها زاد الحياة وأنفاسها. سلام لجميع الذين يناضلون ضد جدار العار الذي ينتصب مثل حد سكين على أرضنا، وسلام لأساتذتي الكثيرين ومعلماتي الذين لا أعرف أين هم الآن وأين انتهى بهم المطاف. للست شيخة التي ما زالت سعادتها بمطالعاتنا ومناقشاتنا تحلق حولي مقترنة مع شهقة دهشة، ونظرة فخر وأمل من عينيها اللوزيتين، والتي لا أذكرها إلا وهي تحتضن بشغف كتباً ما أثناء دخولها أو خروجها من وإلى المدرسة أو الصف. وسلام إلى المبدع محمود شقير، ومعلمين آخرين ما زالوا يطوفون بالأولاد في محراب الكتب وسماواتها وعوالمها. فكل من زرع حرفاً كمن زرع شجرةً في أرض فلسطين.