أزمة غذائية عالمية على الأبواب؟

2010-09-01 12:36:00

رايه نيوز: احتلت أخبار الأزمة المالية العالمية واجهة المنابر الإعلامية وشغلت السياسيين قبل الاقتصاديين عبر العالم لشهور ومازالت، ولا يكاد يخلو يومٌ من خبر ذي صلة بالأزمة، عن ارتفاع معدلات البطالة إلى نسب تفوق ما تتحمله اقتصاديات كانت توصف بالقوة والمناعة إلى عهد قريب، أو عن إفلاس مؤسسات مالية وصناديق سيادية بالجملة، إلى غيرها من الأخبار الكارثية.
وفي فورة وحمأة الارتباك المالي يكاد العالم ينسى أن في الأفق المنظورن لا قدر الله، أزمة غذائية عالمية يمكن أن تترتب عنها مجاعات قد لا تستثني الغرب وكافة أغنياء العالم، أزمة غذائية عالمية لا يمكن مقارنتها بما سبقها من أزمات غذائية مترتبة بدورها عن أزمات مالية حادة، مثل الأزمة الغذائية التي نجمت عن الانهيار المالي العالمي لسنة 1929 أو ما عُرِف بأزمة الخميس الأسود، او تلك التي عاصرت وتلت الحرب العالمية الثانية، فالأزمة الغذائية التي تلوح في الأفق لن تكون طارئة أو عابرة تزول بزوال أسبابها الآنية، لأنها أزمة بنيوية عميقة، كانت تتكوّن وتكبر مثل كرة ثلج وكانت أسبابها ومازالت تتزايد وتتفاقم تحت أنظار الجميع رغم تحذيرات العلماء، ولم يتخذ المجتمع الدولي إلا إجراءات مسكنة كانت عبارة عن مؤتمرات واتفاقيات للحد من الانبعاثات الصناعية (اتفاقيات كيوتو)، لم تخرج في معظمها بنتائج فعلية وكانت إجراءات لإدارة الأزمة أكثر منها إجراءات لحلها مادامت كل القوى ذات الوزن الاقتصادي والصناعي قد تملصت من توقيعها أو تطبيقها. ومن العوامل التي يمكن إِن تفاقمَت أَن تقود إلى أزمة غذائية عالمية وشيكة، يمكن أن نذكر: 1. سوء تصرف الإنسان عبر أنظمته السياسية وتوجهاتها الاقتصادية الجشعة واختياراتها التصنيعية المتوحشة، وما تنفثه في الغلاف الجوي من غازات وسموم، مما تسبب في ظواهر غريبة على البشرية، كظاهرة الاحتـــــباس الـــــحراري التي صار ثابتا علميا أنها وراء اختلال المناخ عبر العالم وما ينتج عنه من موجات حرّ وحرائق وفيضانات وموجات صقيع غير اعتيادية، تقضي على المحاصيل وتدمّر الأنشطة الفلاحية ومصادر الغذاء.
2. التوجه إلى إنتاج الوقود الحيوي بما يستهلكه من قمح وذرة وقصب سكر وغيرها من المحاصيل.
3. الصراعات حول مصادر المياه أو ما سمي 'حروب المياه' التي تنذر باختلال التوازن الغذائي في العديد من مناطق العالم، صراعات بدأت بوادرها تظهر دوليا على المستوى السياسي وليس مستبعدا أن تتفاقم وتتطور إلى حروب حقيقية، وكمثال مازال آخر نزاع حول الحصص في مياه نهر النيل قائما بين مصر والسودان من جهة ودول المنبع من جهة ثانية.
4. الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها، أدت ومازالت إلى انتشار البطالة والتضخم المالي خارج حدود السيطرة، وتقليص الإنتاج وإفلاس صناعات منها الصناعات الغذائية، ناهيك عن مفعول الذعر التجاري والمالي الذي يصيب المستثمرين ويحد من تدفق رؤوس الأموال فيؤثر سلبا على حجم وجودة الإنتاج.
5. ارتفاع معدلات تسلح دول العالم الأكثر عرضة للتخلف إلى أرقام خيالية، والمبالغة في الإنفاق على التسلح وتأثيره على باقي الميادين الصناعية والفلاحية والخدمية وغيرها، إضافة إلى طغيان المجهود الحربي على باقي المجالات في العالم أجمع.
لا أريد أن أكون نذير شؤم لكنني أعتقد بأن بهذه العوامل مجتمعة لا يمكن 'للمجاعة الشاملة' أن تخطئ العالَمَ إن لم يوضع حدٌّ لهيمنة من يقودون البشرية إلى هلاك حتمي، ومن هذا المنطلق يمكن التأكيد أن أزمات العالم الاقتصادية والمالية والغذائية وحتى الاجتماعية والعقائدية كلَّها أزمات سياسية واستراتيجية الأصلِ والمنشأ. ففي القرون الأخيرة، ولأول مرة في تاريخ البشرية، سيطرت على العالم قوى إمبريالية بالمعنى 'التكبُّريّ الاستعلائي' العنصري للمصطلح، أخذت بأسباب التطور ووضعت أيدي ساستها وعسكرها القذرة على خيرات ومقدرات ومصائر الشعوب والأمم الأخرى، فقسّمت بالمسطرة والقلم ما قسّمت، وزرعت من الكيانات السرطانية ومن سلالات 'البيّاعة' و'الحركيين' والعملاء ما زرعت، وزاد من غطرستها وتجبرها كونها لا تقيم للأديان ولا لمنظومات القيم اعتبارا، ونحن نرى كيف ازدادت أزمات العالم تفاقما وبشكل ملحوظ ووتيرة متسارعة منذ أن اختل التوازن الهش الذي كان قائما بين قطبي تلك الطُّغمة الإمبريالية الظالمة، أي منذ سقوط الاتحاد السوفييتي واستحكام هيمنة اليانكي ومن وَالاهم من غربيين وصهاينة وغيرهم ممن نعرف ولا نعرف من أتباع الكاوبوي، فرعاة البقر تشابهوا علينا. فكم من حرب يجب أن تخوضها البشرية والشعوب والأمم المستضعفة منها على الخصوص، وكم من آلام ومعاناة يجب أن تكابدها لتتمكن من إرساء 'مجتمع دولي' و'منظومة أممية' حقيقيين، قوامهما العدالة والديمقراطية التناسبية على أسس سكانية واجتماعية واقتصادية وحضارية، وليس على أسس الهيمنة العسكرية أو قدرات الردع النووي أو الهيمنة المالية المزاجية المتهوّرة، أو البحبوحة الصورية المسنودة بعجز مهول للميزان التجاري والمتخفية خلف ديون داخلية خيالية؟ وهل يمكن أن نرجو تغييرا سلميا حضاريا للمنظومة الدولية، آن أوانه وصار مطلبا ملحّا لتجنيب البشرية ويلات الحروب والكوارث والأزمات المفتعلة؟