إسرائيل المضغوطة

2009-10-17 08:18:00

كأن إسرائيل "نسيت" إيران بفضل تركيا، ثم "نسيت" تركيا بفضل مضاعفات تقرير غولدستون.. وفي الحالتين، انتقلت إسرائيل من شكوى مرّة إلى شكوى أمر.
عندما اشتكت إسرائيل من تركيا، توقعنا كالعادة أن تُشهر سلاح "اللاسامية".. وسرعان ما لاذت به ووجدت ضالتها في تقرير تلفازي تركي مصوّر، وكذلك في استطلاع رأي تركي أفاد بأن 42% من الأتراك "لا يفضّلون أن يكون جارهم يهودياً". بالمناسبة، كم نسبة الفرنسيين الذين يفضّلون أن لا يكون جارهم تركياً أو مغربيا؟
في المحصّلة العامة، تبدو إسرائيل في حال دفاعية ما لم تكن منذ وقت طويل منذ أوسلو، ويبدو سلاحها "اللاسامي" مثلوماً لكثرة إشهاره في ما يجب وما لا يجب من مسائل الخلاف العادية بين الدول التي تتبع، في النهاية، مصالحها بما في ذلك إسرائيل التي باعت لجورجيا سلاحاً في الوقت الذي تبيع فيه سلاحاً لروسيا، وتحاول باسم سياسة مستقلة، أن تبيع الصين سلاحاً رغم اعتراض الولايات المتحدة.. بما جعل إسرائيل دولة ريادية في بيع الأسلحة التي تستند، في الأغلب، على تحسينات تكنولوجية معينة للسلاح الغربي. قلنا: الدول تتبع مصالحها، والدولة الفلسطينية "مصلحة قومية" أميركية.
مجلس الأمن قدّم موعد جلسته الشهرية من نهاية الشهر إلى منتصفه لمناقشة الحال العامة في الشرق الأوسط، بناءً على طلب المجموعة العربية، وانتهزتها السلطة الفلسطينية المحرجة داخلياً من "غلطتها" أو من حساباتها المخطوءة لتزجّ في النقاش الدولي مسألة الحرم القدسي، إضافة إلى تقرير غولدستون.
تنتظر إسرائيل "حماية" تصويتية في مجلس الأمن وفي مجلس حقوق الإنسان من "دول نوعية" في أوروبا والولايات المتحدة، تحت طائلة التهديد الابتزازي أنها سوف "تجمّد" ما هو مجمّد بالفعل، أي تجمّد مفاوضاتها مع الفلسطينيين، التي وبصعوبة وعلى شيءٍ من الحرج، استؤنفت، وبشكل غير مباشر، تحت إلحاح شديد من رئيس الولايات المتحدة.
لكن، وخلف الادعاءات العريضة التي ساقها السيد نتنياهو في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست عن أن إسرائيل لن تسلّم أي مسؤول سياسي أو عسكري إلى محكمة لاهاي؛ يوجد أمام إسرائيل مخرج لائق من تقرير غولدستون، وهو تشكيل "لجنة فحص" برئاسة القاضي المتقاعد في المحكمة العليا الإسرائيلية، أهارون باراك، تقوم بفحص عام لأداء الجيش والمستوى السياسي إبّان حرب "الرصاص المصبوب" على غزة. لكن، للقاضي باراك شروطه و"سمعته" الدولية.
أما في أمور أخرى، موضع شكوى إسرائيل، مثل تردي العلاقات مع تركيا (انخفض التبادل التجاري بنسبة 40% بين البلدين هذا العام فهذه مسألة استراتيجية سياسية، إذ من المستبعد أن تعكس تركيا انعطافها السياسي نحو البلاد العربية، أو حتى إيران من أجل خاطر إسرائيل ومخاوفها المبالغ فيها، ذلك أن زبدة الأمر في الأزمة التركية - الإسرائيلية هو مسعى أنقرة لإيجاد نوع من التوازن في علاقاتها بطرفي الصراع المحتدم في الشرق الأوسط، وأما معارضة تركيا للعقوبات الاقتصادية على إيران فهو نتيجة المصلحة التجارية، علماً بأن موسكو وبكين تعارضان أيضاً تشديد المقاطعة لإيران لأسباب سيادية تخصّهما.
لو أن الولايات المتحدة متنبّهة حقاً إلى التغيّرات غير الملائمة في وضع إسرائيل الدولي لانتهزتها فرصة غير مباشرة للضغط عليها، نظراً لحاجة إسرائيل إلى "حماية" تصويتية من جانب الولايات المتحدة، سواء في مجلس الأمن أو في مجلس حقوق الإنسان، وبخاصة أن وزير خارجية السويد، وهي الدولة التي تترأس دورياً المجموعة الأوروبية، لم يجد في التقرير ما هو غير ملائم للنقاش العام، فهو متوازن وعادل وصدر عن حجة قانونية محترمة.
الضرر رُفع جزئياً عن كاهل السلطة الفلسطينية بصرف النظر عن منحى النقاشات ونتائجها في مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان؛ لكن أضرار التقرير الدولي، الذي دعم استئناف النظر فيه أمين عام الأمم المتحدة بان - كي مون، قد أحاق بإسرائيل.. ومهما تكن نتيجة النقاشات والتصويتات في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.
إلى أي مدى ستؤثّر "عزلة إسرائيل" في المجموعة الدولية على تماسك الحكومة الإسرائيلية، علماً أن السيد بن - غوريون كان قد رأى أن مناعة إسرائيل منوطة بجيشها القوي (وهو موضع إدانة الآن) وأيضاً بعلاقاتها القوية بالولايات المتحدة وغرب أوروبا (وقد ردّت حكومة ننتنياهو السيد ميتشل خائباً من حيث أتى).
في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست قالت زعيمة المعارضة تسيفي ليفني إن على إسرائيل استئناف مفاوضاتها مع الفلسطينيين من حيث توقّفت، وإن نتنياهو لا يفعل شيئاً سوى أنه يبقى في الحكم.