المفاوضات والمعارضة
رايه نيوز: يمكن إجمال مختلف مواقف حماس على مدار تاريخها، في موقف واحد، هو معارضتها العنيفة للمفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل، طالما أنها هي، أي حماس، ليست عضواً في هذه المنظمة. ويمكن قراءة هذه المعارضة على أنها ضغط من جانب حماس ذاتها على المنظمة ذاتها، للقبول بالشروط الحمساوية للمشاركة في عضويتها. ولأنها شروط تعجيزية تصل إلى حد المطالبة الصريحة بتغيير برنامج المنظمة جملة وتفصيلا، فإن القراءة الثانية لهذه المعارضة تكشف عن أنها معارضة غير عادية وغير مسبوقة على الإطلاق، فهي تهدف مباشرة، إلى الاستيلاء على المنظمة، ومصادرة إرثها الوطني كله، لمصلحة برنامج جديد يقوم على أجندة مغايرة تماماً.
ولأن المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل، متقطعة أصلا، ما تكاد تنطلق في غالب الأحيان، حتى تتوقف أو تتعثر، لأسباب تتعلق بالمراوغة الإسرائيلية المعهودة، فإن المعارضة الحمساوية بالمقابل، مراوغة ومتوافقة مع هذا التقطع أيضا، فهي تشتد عند انطلاق المفاوضات. وتتراخى أو تختفي تقريبا، عند توقفها.
ولقد أصبح واضحاً أن لغة حماس في هذه المعارضة ليست إعلامية أو سياسية فحسب، بل هي أيضا، وهو الأهم بالنسبة لها، ولمدى الخطر الفعلي الذي تمثله، عسكرية تسعى بسلسلة من العمليات إلى التفجير المباشر للوضع الفلسطني بأكمله. ومع أنها عمليات تحمل بغطائها الإعلامي التقليدي، صفة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن التعمق في دراسة حيثياتها ومداليلها، توفر القناعة التامة أنها ضد منظمة التحرير، قبل كل شيء.
إلى ذلك، تخرج حماس عن مفهوم المعارضة إلى سياق يحملها تلقائيا نحو الاحتراب الداخلي والانقسام والانفصال. وهو ما حصل فعلا، بسيطرتها الانقلابية على قطاع غزة، واستمرار محاولاتها للسيطرة على الضفة الغربية، وصولا بها إلى أن تكون البديل لمنظمة التحرير في الضفة والقطاع، وفي الشتات أيضا، ثم التفاوض وحدها، ووفق برنامجها وحده، مع إسرائيل.
وعلى وقع هذا المنهج الانقلابي المتواصل، أفشلت حماس كل مبادرات المصالحة بينها وبين فتح، أو بينها وبين منظمة التحرير على الأصح. وبقدر ما كانت "الورقة المصرية" واحدة من أبرز أشكال هذا الإفشال، فإن المسألة في هذا المعنى على وجه الخصوص، تؤكد على أن حماس لا تتوقف عند تعطيلها للمصالحة فقط، ولكنها تعمل على رفض الدور المصري فيها أساسا، وتبديله بدور إقليمي تتصدره إيران في المنطقة.
ولكن المعارضة التي جعلت منها حماس فضاء معتما ودمويا لضرب منظمة التحرير، ليست هي المعارضة الوحيدة في ساحتنا الفلسطينية. ثمة معارضة عادية وغير عنيفة، من داخل المنظمة نفسها، تمثلها فصائل معينة، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب، وبعض المستقلين. ولا يجوز الخلط في أي ظرف، وتحت أي ضغط، بين هاتين المعارضتين. شتان بينهما، حيث الأولى ترفض المنظمة بجميع فصائلها، وتسعى إلى تحطيمها، والثانية تعمل على حماية المنظمة وتصليب قدراتها في بناء السلطة الوطنية، وفي المفاوضات، وفي سواها من المعارك التي تخوضها.
ما جرى في قاعة البروتستانت في رام الله مؤخرا، يخلط بين المعارضتين. ويساهم في محصلته المفزعة، بإضعاف المنظمة، وإضعاف السلطة الوطنية، من جانب، وتعزيز مسعى حماس الانقلابي التفجيري من جانب آخر.
باعتذار رئيس الحكومة سلام فياض على أية حال، عن هذا الخلط، فور هبة الرأي العام في مواجهته، ثمة أمل بعدم تكرار الوقوع فيه.
والواقع أننا نحتاج كثيرا إلى هذا الأمل، لحماية مشروعنا الوطني، طالما أننا نحتاج فيه إلى هذه المعارضة المشروعة في هذه الأيام التي تخوض فيها المنظمة غمار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، في الوقت الذي تعمل فيه حماس على تصعيد أدوات ووسائل معارضتها بمزيد من العمليات العسكرية في الضفة الغربية.