ظلم الشقيق للشقيق
رايه نيوز: تتكثف في العيد كمناسبة تطغى على مظاهر الحياة اليومية صورة العلاقات الاجتماعية، فيمكن من خلال لقطة من لقطاته السريعة قراءةُ مؤشر الترابط أو التفكك بين أفراد المجتمع، واكتشاف حقيقة المشاعر التي تغلفها التحيات والزيارات والعناقات والعيديات، حالها حال حبّات الشوكولاتة والحلقوم المزينة بألوان جاذبة، تكمن حقيقتها في مذاقها السري.
المضحك المبكي أن أحدا لا ينجو من الوقوع في دائرة القطيعة، التي لا تزيل المجاملات السريعة حدودها، وإن حاول النأي بنفسه عن إظهار كرهه للآخر، حتى الوسيط الذي يُجبَرُ على الابتسام لكل من المتخاصمين يعجز في زحام العيد عن السيطرة على ملامحه وتعليقاته، التي تشي بالرضا عن طرف والغيظ من خصمه، بعد أن يتضح لديه من الظالم ومن المظلوم.
في العيد، من المفهوم أن تزدحم الطرق بالحافلات الصغيرة والسيارات المكتظة بركاب يحملون اللقب نفسه، يدورون معا في أنحاء البلاد لوصل أرحامهم المشتركة، ومن المفهوم أن نجد أشقاء لا يذهبون معا في الرحلة التي يحث عليها الرب، لأسباب تتعلق بالتباعد بين مواقع سكنهم، بين رفح وخان يونس والنصيرات وغزة وجباليا، وقد يلتقي أكثر من وفد في منزل شقيقة أو عمة لهم، لكن ليس من المفهوم أن ثمة أشقاء لا يذهبون معا لزيارة "الولايا" بالرغم من أنهم يسكنون في المبنى نفسه، وحين يقصد أحدهم قريبا أو قريبة له يتحرى ألا يلتقي هناك بشقيقه، ليتفادى رؤيته وتعكير مزاجه يوم العيد السعيد، وربما ليحظى بفرصة مطلقة لتأليب الأقارب على الشقيق الخصم.
لماذا؟ ثمة ظلم لا محالة، وثمة نزوع إلى الانقسام، ظنا من أحد الطرفين أو كليهما بأنه أدرى بالمصلحة العامة، وربما لأن المظلوم لا يستحق التمكين من حقه المغتصب، حتى لو كان حقا شرعيا، سيستخدم قيمته في تسديد الرسوم الجامعية لابنه أو ابنته، والرد الجاهز عند العتاب "الله لا يرده ولا يرد أولاده"، مستقويا بسلطة وضع اليد وآخرين من الأبناء والأشقاء البكم، فلا يبقى للشقيق المظلوم إلا "حسبي الله ونعم الوكيل"!
العيد مناسبة للإفصاح عن آلام ومظالم مزمنة، لأن أيامه تجمع كثيرين لا يلتقون في باقي أيام السنة، فيشتكون ويفضحون من يعتبرونهم ظالمين، وقد يحاولون استغلال المناسبة لفتح أبواب مصالحات وتسويات أو حروب جديدة، محصلتها في كل الأحوال ضحايا ومظلومين جدد من العشيرة نفسها، التي تتشاجر مع نفسها أكثر بكثير من الشجار مع عائلات أخرى، وحين تحدث الأخيرة يسهل حلها، أما مع الشقيق والأقل قليلا فالنزاع يطول، وقد لا ينتهي، فيرثه الأبناء والأحفاد من حاملي اللقب الرفيع، وقد يصل الأمر بمظلوم إلى قصر اسمه الرباعي على الجد الثاني دون اللقب، لتمييز نفسه عن سواه من حامليه، كمن يقطع نفسه من شجرة ترفضه أو يرفضها، قبل أن تقطعه!