محيي الدين الذي رسم قطط الشوارع في أبهى صورها

2010-09-15 12:43:00

رايه نيوز: في كل انسان نافذة، وكل من نعرفهم أو نقرأ لهم أو نشاهد رسوماتهم، يقدمون لنا الفرصة لفتح العيون على شيء جديد لم نعرفه قبلها. وهم أيضاً يساعدوننا على توسيع حدود المكان والزمان، وتفتيح الأذهان والمدارك على كل ما نراه يومياً، ولا نراه مهماً أو جميلاً إلا عندما يقدمه إلينا مبدعٌ ما عبر نظرته الخاصة.
في نهاية السبعينيات وبدايات الثمانينيات في بيروت كان هنالك مختبر جديد ترافق مع تواجد المقاومة الفلسطينية في لبنان، وكان وجوده معبراً عن بداية حقبة جديدة من ادراك الإنسان الفلسطيني لنفسه بوصفه تجلياً لواقع المقاومة الجديد، وبداية بناءة للحلم والمستقبل. كان ذلك المشروع وتلك التجربة هي تأسيس دار الفتى العربي لنشر كتب الأطفال. في بيروت وعلى كورنيش المزرعة كان حشد من الفنانين يرسمون ويصنعون قصصاً، وكنت أزورهم وأطلع على كشوفاتهم وانجازاتهم بصفتي كاتبة أطفال، ومتطوعة للعمل مع الأطفال الذين نقوم برواية هذه القصص لهم.
هنالك تعرفت على الكثير من أهم المبدعين الذين لم يألوا جهداً في تأسيس هذا الحلم من رسامين وقصاصين ومخططين ومشرفين على اصدار كتب الأطفال، وبينهم كان أهم مؤسسي رسوم الكاريكاتير في الصحف العربية، مثل ايهاب شاكر ومحيي الدين اللباد ومحمود فهمي، وبهجت عثمان، وحجازي ونذير نبعة، وكثيرون ممن ساهموا في تأسيس مجموعة من الصحف والمجلات المهمة في العالم العربي. كنت متطوعة للعمل مع أطفال صبرا وشاتيلا، وشاهدة على مختبر الألوان الساحرة والرسوم الجميلة، والقصص والحكايات التي كانت مثل نبع يحمل سر تغيير العالم إلى الأفضل عبر التعامل مع الأطفال بانسانية وباهتمام. كان الحماس يأخذ الجميع إلى ضرورة تحويل صورة اللجوء البشعة والباهتة، وصياغة الجديد في صورة الوطن والكرامة والاستقلال. وفيما بعد ازدانت حياتي بفرحة الانتماء إلى هذا المختبر الجميل عندما انضمت ثلاث من قصصي التي كتبتها للأطفال إلى مجموعات الدار. فقد انضممت أخيراً بعد كل هذا الحماس الشديد إلى العائلة التي كانت جزءاً من أحلامي. وتبع هذا اقدام الفنان الكبير محيي الدين اللباد على نشر قصتي "فراس والبحر" ضمن مجموعة المختبر العربي لأدب الطفل التي أشرف على اصدارها بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وفيما بعد قام بترجمة القصة أملاً في اصدارها باللغة الإنكليزية. منذ ذلك الحين لم ينقطع تعاوننا. فقد كان اللباد حريصاً على تواجدنا الفلسطيني في عالم كتب الأطفال، وعمل معي فيما بعد كثير لتأسيس دار نشر فلسطينية لكتب الأطفال في تونس عبر دائرة الثقافة الفلسطينية. وهناك استطعنا اصدار ثماني كتب بعد أن خططنا لإنجازها جميعاً عبر ست مجموعات بحيث تضم ستاً وثلاثين قصة. وفيما بعد لم يتم اكمال المشروع بسبب الأعذار المالية المعتادة في حينها.
لقد ظل اللباد منبعاً للإلهام بما يفوق مجايليه في هذا الحقل، وأصدر كتباً كثيرة ومتنوعة يجمعها سطوع الموهبة، وتدفق الحلم كالشلال الهادر، وتخطي المواصفات التي كانت تجعل من البلادة والرتابة سمة مرتبطة بأدب الأطفال. ولم يكن كثيراً عليه أن ينال أرفع جائزة دولية هي التفاحة الذهبية من أهم معارض كتب الأطفال الدولية والتي تعتبر بمثابة نوبل لكتب الأطفال. وعندما قام بعمل المدير الفني لمجموعة كتب الأطفال الصادرة عن دائرة الثقافة في تونس كان العمل معه بمثابة متعة للعقل والروح، فقد علمني أسرار الشخصية العربية المتفردة في حوارها مع الورقة والقلم. ودلني على أن أهمية التعبير عما يمس أزقتنا وحاراتنا بقططها وشخوصها وأناسها هي في مقدمة أي عمل فني حقيقي. ولهذا تعلمت أن قطط شوارعنا التي تمشي بين براميل القمامة أجمل من "ميكي ماوس" الأجنبي الذي يرتدي بدلة "السموكينغ"، فهي تعبر عن بيئة معينة يمكننا أن نحسنها بالسخرية والفكاهة بدلاً من أن نغمض الأعين عنها كي نتظاهر بما ليس فينا، أو لكي نتبع الآخرين بما يرسمون من كرتون مرتبط بطرق مختلفة في الخط والرؤية.
تعلمت ادراك الأصالة بسبب درس بسيط أدلى به عبقري عمل للأطفال كما للكبار طيلة حياته بصمت وتواضع لا يليقان إلا بالعطماء الذين يدركون أهميتهم في تغيير العالم. لقد تجنب نقيق الضفادع الذي يطالعنا به كل كاذب مغرور لا يصدق إلا نفسه. لأن اللباد آمن بنا وببلاده وبكل ما يتبع شخصيتنا الحقيقية بعيداً عن الكذب والرياء. وأذكر فيما أذكر طبق الحلوى الشعبية الأشد حلاوة في حياتي، والذي تذوقته يوماً عندما تشاركت فيه عائلتنا مع الرسام المذهل محيي الدين وعائلته، وصنع الله ابراهيم وزوجته على أحد أرصفة القاهرة منذ زمن بعيد.
محيي الدين.. لن نفتقدك وحدك فقط، وانما سنفتقد أيضاً قططك الجميلة التي تعيش في حنايا شوارعنا رغم مظهرها الفقير، والتي تبدو أشد جمالاً بما لا يقاس من أفراد كثيرين يقفزون بطموحات غير مشروعة لاجتياح حياتنا ونشر الفوضى والتصنع فيها.