سياسة إسرائيل التعسفية ضد عروبة القدس

2009-04-28 10:21:00

عندما يرن اسم القدس في مسامعنا؛ وتعانق أصداءُ مآذن مساجدها..قرعَ أجراس كنائسها ؛يتبادر في أذهاننا أن البدء كان أزلياً. في أرضنا قامت المدن وكبرت الأشجار ؛وربت الأجيال ؛ فلقد ذكر ا لمؤرخون أن أولَ وجودٍ إنساني على أرض فلسطين؛ كان للكنعانيين ؛ أبناء العرب الأموريين القادمين من شبه الجزيرة العربية ، خلال الألف الثالث قبل الميلاد .وسميت فلسطين كلها بأرض كنعان نسبةً لهم .وتحدَّر منهم اليبوسيون ؛ الذين هم فخذٌ من القبائل الكنعانية.

وتمتعت مدينة ( يبوس ) قديماً - القدس حالياً- بمكانةٍ هامة؛ حيث اختار أجدادنا المكان لإقامة هذه المدينة ككتلة دفاع؛وما ساعد على ذلك ؛ وجود عيون الماء التي هي مصدر للحياة؛وهذا كفيل بإقامة الحضارات من أجله ، وأهمها (عين سلوان ) في السطح الشرقي لتل الضهور. رغم أن المدينة ذات طبيعة جبلية .و( يبوس )هو الجد الأعلى؛ ثم (سالم اليابوسي) الذي وسع حدودها وشيَّد برجا ً للدفاع عنها ؛ وتمكنت المدينة بهذه المناعة من المقاومة العنيدة ضد هجوم بني إسرائيل في سنة ( 1000 ق.م ). ومن أهم ملوك يبوس هو ( ملكي صادق ) الملك العادل الذي أسس دعائم وجود المدينة ؛ والذي خضعت له طوعاً ملوك المنطقة .ولقد ذكر التوراة الوضعي (أن إبراهيم قابل ملكي صادق ؛ وقدم له الخبز)انتهى الاقتباس.وجاء أن ملكي صادق كان يتعبد عند الصخرة التي عرج منها الرسول محمد (ص) فيما بعد .وأقيمت يبوس على إحدى التلال الأربع التي تقع عليها القدس حالياً ؛بمساحة 4,7 هكتار.وسميت المدينة باسم كنعاني آخر ؛ وهو

(أورسالم)؛ حيث أور تعني نور ؛ وسالم هو اسم إله سامي قديم وهو ( إله الغسق )؛ وهناك دراسات تقول بأنها تعني مدينة السلام أو مدينة الإله سالم .ولقد اكتشف اسم مدينة أور سالم مذكوراً عدة مرات بلغة سامية بالخط المسماري حوالي عام 2500 ق.م ...وذكرت في كتابات فرعونية عام 1842ق.م ؛ قبل دخول الملك داوود إليها . وفي سنة 1930م تم اكتشاف كتابات أثرية كنعانية على رقم فخارية تعود إلى 2900 ق.م ؛ داخل قبرجنوب تل الضهور في القدس .

والجدير ذكره أن تسمية ( صهيون ) قادمة من اسم كنعاني حيث يقول العالِم مكنزي من دائرة المعارف البريطانية : (إن الكنعانيين يطلقون تسمية صهيون على جبالهم المقدسة) انتهى الاقتباس. وإن ما اكتشفت العالِمة البريطانية كاثلين كينون في منطقة جبل الزيتون ؛ وكذلك العالِم باركر ؛ قد كذّّب ادعاءات حكومة إسرائيل بأن داوود هو الذي بنى مدينة القدس .

وما أثبته المؤرخون أن داوود قد حكمها 33 عاماً حتى وفاته ؛ ثم حكمها سليمان 40 عاماً، وبعد وفاته انقسمت دولتهم اثنتين تناوبتا الصراع حتى الانهيار على يد الآشوريين سنة 733ق.م . والثانية على يد نبوخذ نصر ( بختنصر) عام 587ق.م .وبقي منهم القلة كطائفة أقلية يهودية في القدس .ويجدر الذكر هنا أن التوراة الوضعية قد جاء فيها نصوص متناقضة بالنسبة لمكانة القدس،ففي الإصحاح الخامس الآية 7 : تحكي كيف حصن داوود صهيون وجعلها عاصمةً له ؛ ومسكناً للرب . وفي آيةٍ توراتيةٍ أخرى يُذكر أن القدس ليست يهودية ؛ وتصفها بالرجاسة:

( يا ابن آدم عرِّف أورشاليم برجاستها؛وقل هكذا قال السيد الرب لأورشاليم ؛ مخرجك ومولدك من أرض كنعان ؛ أبوك عموري وأمك حثية ).انتهى الاقتباس . وذكر مثل ذلك في الوثائق الرسميةالصادرة عن المؤسسة الإسرائيلية .

إن النزعة التفردية اليهودية المتطرفة بادعاء حقوق دينية لهم وحدهم في القدس ؛ وتجاهل العلاقة الدينية للمسلمين والمسيحيين ؛ تجد من يرفضها من قبل المؤمنين بالعالم الإسلامي والمسيحي ؛

ويحضرني هنا وجهة نظر العلماء المسلمين القائلة على لسان الداعية عمر خالد : ( أنه عبر الزمان ؛ عندما كان الناس يبتعدون عن دين الله التوحيدي ؛ وتستفحل عبادة الأصنام ؛ كان الله يرسل نبياً أو يوقظ داعية لدين الله الواحد ؛ وتوافد الأنبياء على القدس عبر التاريخ ؛ وبالنتيجة تكون القدس-حسب وجهة النظر الإسلامية - لمن يحكمها باسم دين التوحيد؛ وإن دلالة إمامة الرسول محمد(ص) للأنبياء جميعهم عند الصخرة المشرفة ثم عروجه منها إلى السماء تؤكد أن القدس عربية إسلامية حتى وقتنا هذا ) انتهى الاقتباس . ويدّعي الإسرائيليون عادةً أن اليهود شكلوا أكثرية ً دائمة ً عبر التاريخ ؛ وتعمَّدوا إرباك الباحثين في الوثائق التاريخية بالنسبة لعدد السكان والواقع الديمغرافي لمدينة القدس ؛ وإيهام العالم أنهم الشعب ذو السيادة وليس أحدٌ سواهم .

*ولقد وجد تضارب في أرقام الإحصائيات نظراً لعدم الدراسة العلمية ؛ فالمقدسي مثلاً وجد أن مدينة القدس قد غلب عليها النصارى واليهود في كتابه ( أحسن التقاسيم في معرفةالأقاليم)الذي وضعه خلال النصف الثاني من القرن الرابع الهجري . بينما يذكر مؤرخون آخرون مثل ناصرخسرو الفارسي المعاصر للمقدسي ؛ فيَذكر أن عدد سكان المدينة حوالي 20 ألفاً ؛ ولم يعطِ أية إشارة لأغلبية يهودية فيها


*أيضاً وُجد التزييف المقصود والمدروس في روايات المستشرقين المناصرين للصهيونية ؛ حول أعداد اليهود عبر التاريخ .وما يكذب هذه الإدعاءات هو طبيعة العمران والحضارة العربية المقامة عبر مراحل مختلفة مرّت بها القدس فكيف لأغلبية يهودية -حسب مزاعمهم- أن لاتسجل إبداعاً أو معلماً حضارياً واحداً .

*ومن أسباب التضارب المذكور في الإحصائيات ؛ قلة الوثائق التاريخية ؛ فالإحصائيات يجب أن تعتمد على الاستدلال والاستنتاج والبحث المنهجي العلمي .

*كذلك الاعتماد قي الاحصائيات على تقديرات مؤرخين وجغرافيين ورحالة كلٌّ حسب هواه وانتمائه الديني. ونطرح مثالاً على طريقة الاستدلال والاستنتاج: استنتج الدكتور محسن يوسف أن عدد اليهود من القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر بالاعتماد على سجلات الضريبة التي فرضت عليهم من قبل السلطات الاسلامية ؛ وهي ضريبة الجزية؛لم يصل أكثر من 500 يهودي سكنوا القدس مقابل حوالي 20 ألف عربي مسلم ومسيحي .وحتى هذا التقدير؛ يغلب عليه الخطأ؛لأن عدد اليهود في ذاك الوقت كان أقل بكثير ؛ حيث أرسل حاخام يهود القدس في ذلك الوقت إلى حاخام يهود القاهرة لطلب المساعدة بدفع مبلغ الجزية ؛لقلة عددهم وعجزهم عن الدفع ؛ فيقول : ( الضريبة المفروضة علينا الآن ثقيلة ؛ وعددنا قليل ؛ولا يوجد لدينا مال ؛ إلا لتغطية جزء بسيط من الضريبة ) انتهى الاقتباس .


ولا ننسى عندما قام تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية بزيارةفلسطين حيث جال المستوطنات اليهودية ؛ ويحضرني هنا أن أول مستوطنة بنيت في القدس كانت عام1833م وهي ( أوهل موشيه) وتلتها عشرون مستوطنة حتى العام1946م ؛ وزارهرتزل مدينة القدس حيث قال جملته المشهورة : ( لا شيء في هذه المدينة لنا ! ) حيث صُدِمَ بما شاهده من طابع إسلامي سواء على المستوى العمراني أوالتاريخي أو الديموغرافي .


*هناك إحصائيات تلجأ إلى حساب عدد ا ليهود في قضاء القدس والمستوطنات خارج السور.ومن المهم ذكره أن تعريف القدس حتى عام 1850م هي المدينة داخل الأسوار ؛ وهذا يؤكد أن عدد اليهود داخلها لم يتجاوز عدة مئات . وفي عام 1947م كان عدد العرب المقدسيين في البلدة القديمة (36000نسمة) بينهم ( 2400 يهودياً) ؛ أما في عام 1999م
بلغ عدد العرب في البلدة القديمة ( 34200 نسمة) بينهم ( 2500 يهودياً ).

*هناك أيضاً تجاهُل لتقديم تحليل صحيح للتركيبة الديمغرافية في المدينة ؛ التي تعرضت للحروب والاحتلال ؛ ففي المرحلة الصليبية ؛ تم إجلاء سكانها المسلمين ؛ وإحلال سكان مسيحيين غربيين ؛وبعد رحيلهم استجلب الصليبيون مسيحيين شرقيين عوضٌ عنهم من شرق الأردن . وكذلك أثناء الهجرة اليهودية للمدينة حيث اعتُبر اليهود القادمين كسكان أصليين ؛ وهذا ما يتم تسجيله كتزييف في الوثائق الحكومية الصادرة عن مكتب الإحصاء الاسرائيلي ؛ والذي يقدم جدولاً بعدد سكان القدس منذ عام 1922م.

-هناك إجماعٌ وطنيٌ عند الاسرائيليين ؛حول القدس أنها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل ،وذلك لتحقيق أهدافهم السياسية الأخرى، وذلك من أجل:* وضع عقبة أساسية أمام قيام دولة فلسطين مستقلة .* ولجعل القدس تتمدد وتتوسع على حساب أراضي الضفة ؛ فتكون مانعاً طبيعياً يمزَّق التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة!* وبالتالي منع وحدة الولاية الفلسطينية الجغرافية .

لذلك يتم التوسيع السرطاني للمستوطنات ؛وأسرلة القدس ؛ وتهويدها . والقدس الموسعة لليهود؛ ستحقق الترابط للمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية مع بعضها البعض؛ من جهة ؛ومع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل من جهة أخرى؛ عبر الطرق الالتفافية التي تخنق المدن الفلسطينية ؛ والتي مهَّدت لوضع جدار الفصل العنصري .

ويجدر الذكر أن الطرف الإسرائيلي قد طرح في اتفاقيات أوسلو مفهوم السيادة المبعثرة على مدينة القدس أو السيادة المشتركة ؛ أو التقاسم الوظيفي ؛ أو المدينة المفتوحة لدولتين .لذلك يقوى الاجماع الاسرائيلي حول العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل ؛ ليكون مجرّدَ همّ ٍ نفسي ؛ كما ذكرنا آنفاً؛ له امتداده على أرض الواقع لخفض طموحات المفاوض الفلسطيني ، وهذا ما يمكن تلخيصه بالاستراتيجية الصهيونية ؛ التي توظِّف إلى حدّ ٍ كبيرٍ قضية القدس لتحقيق أهداف سياسية ؛ أوسع وأبعد من السيطرة

على المدينة . فالمؤسسات التي أسست في القدس تحت بند نشاط الحركة الصهيونية قبل قيام الكيان الصهيوني بالتواطئ مع البريطانيين ؛وبالضغط على العثمانيين أثناء احتلالهم للوطن العربي ؛ حيث استصدرت فرامانات سمحت لليهود بإقامة عدد من المؤسسات في فلسطين ؛ توخَّت الحركة ا لصهيونية اجتماعها في القدس ؛هذه المؤسسات اعتبرت الروافع الأهم للمشروع الصهيوني الاسرائيلي في فلسطين ؛ والذي ساعدته على تحقيق السيطرة وتثبيت الاستيطان منذ عهد العثمانيين حتى الانتداب البريطاني وهي بالتتالي :

1. مقر اللجنة التنفيذية لمنظمة الصهيونية العالمية في القدس.

2. مقر الوكالة اليهودية .

3. الصندوق التأسيسي ( كيرن هيود ) .

4. الصندوق القومي اليهودي ( هكيرن هكيمت) .

5. المجلس الوطني ( الاستيطان) .

6. مركز اللجنة القومية اليهودية ؛ أعلى سلطة يهودية سياسية وإدارية في فلسطين عام 1920م.

7. جعل القدس مقراً للجامعة العبرية التي أسست سنة 1925م.

8. مستشفى هداسا سنة 1930م.

9. إقامة كنيس يهودي عرف بكنيس الرب يهودا هنبي عام 1855.


- ولقد فشل اليهود عندما حاولوا السيطرة على القدس ؛ بما فيها البلدة القديمة ؛ وذلك بسبب :

*تراخي اليهود لاطمئنانهم إلى السيطرة على القدس الغربية من خلال المستوطنات .

*تصميم الجانب العربي على الدفاع عن البلدة القديمة ؛ وصدِّهم لهجمات اليهود عندما خرجوا - أي اليهود- بحماية الأمم المتحدة ؛ وكان عددهم 1300 يهودي ممن سكنوا المستوطنات خارج البلدة .

- ولا ننسى أن إسرائيل رفضت فيما بعد تطبيق قرار 181 عام 1947الخاص بتقسيم فلسطين لدولتين ؛ بما فيه البند الخاص بالقدس .

ومما يجدر ذكره هنا ؛ والتأكيد عليه هو ما يتحدث به القانونيين الدوليين : ( أن القدس بجزئها الغربي قد احتلت من تحت وصاية الأمم المتحدة ؛ وهذا يعني أن القدس كلها محتلة طبقاً للقانون الدولي ).

- وفي السابع من حزيران 1967دنّست أقدام الإسرائيليين قداسة المكان في القدس . وفي السابع والعشرين من نفس الشهر والعام؛ صدر قرار الكنيست الاسرائيلي بضم القدس لدولتهم؛ كتعديل لقانون أنظمة السلطة والقضاء الاسرائيلي لعام 1948م.

ورفض هذا القرار عالمياً؛ الذي تجسد في قرار رقم 2254في تموز 1967 الذي طالب الاحتلال بإلغاء كل الاجراءات الهادفة لتغيير الوضع القانوني لمدينة القدس ، ولقد دأبت السلطات الاسرائيلية بعد ذاك الإعلان على تحويله لحقيقة واقعة ؛ من خلال محاولة تحطيم الإرادة للصمود الفلسطيني المقدسي ؛ وهدم مؤسساتها الوطنية والتعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والخدماتية ، لكنها سلَّمت -أمام الإرادة الحرّة ؛ ونتيجةً للصراع القاسي والنضال المقدسي- بوجود حالة كيانية قلسطينية متمثلة بالإرادة الذاتية والمستقلة للفلسطينيين في مجال التعليم والصحة والتجارة والأوقاف ؛ هذا رغم تدمير الاسرائيليين بلدية القدس ؛ حيث لم يستسلم شعبنا والهيئة الاسلامية العليا في القدس ؛ ثم الجبهة الوطنية ولجنة التوجيه الوطني ثم القيادة الموحدة للانتفاضة عام 1987 تحت راية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ؛ عبر هذه السنين .

- وفي الثالث من تموز 1980 سنت حكومة الكيان الصهيوني قانون أساسي ( باعتبار القدس الكاملة عاصمة لإسرائيل ) ؛ الذي لاقى الرفض الفلسطيني و العالمي أيضاً؛ وكان لمجلس الأمن الدولي ؛ موقفاً بإصدار قراره رقم 478 الذي أكد عدم الاعتراف بضم القدس ؛ وطالب الدول أن تسحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس فوراً. ونؤكد هنا أن هذا الضم مخالفٌ للمواد 14و47و45 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949باعتباره ناتجاً عن عمل عسكري حربي لا يجوز لدولة الاحتلال القيام به .

- لكن الاحتلال الإسرائيلي أكمل مشروع التهويد لمدينة القدس العربية ؛ الذي لا زال يجري للآن ؛ ولا ننسى الحفريات التخريبية تحت وحول المسجد الأقصى والمصلى المرواني والبلدة القديمة ؛ التي بدأت في عام 1968م حتى يومنا هذا . ولا يخفى علينا هدف تلك الاجراءات ألا وهو *القضاء على المعالم الحضارية الاسلامية لمدينة القدس.*ولتسهيل بناء الهيكل المزعوم الذي لا أصل له في أي مكانٍ وزمان .* واستكمالاً لتهويد القدس .

- وكما فرضت إسرائيل بعد قرار الضم بطاقات الإقامة على أهلنا في القدس ؛ حيث كبلتهم بشروط قاتلة مما زاد التضييق ؛ وأسر السكان في سجنٍ كبير. رغم أن هناك المئات من العائلات المقدسية ؛ لم يصلها الاحصاء الذي بموجبه أعطت إسرائيل

بطاقات الإقامة ؛ لتعتبرهم دخلوا إلى القدس بطريقةٍ غير شرعية ؛ وتطبيق سياسة الإبعاد فيما بعد على أهلنا المقدسيين ؛ فأمران أحلاهما مرّ ُ.ومع نضال المقدسيين ضد هذا الاجراء سمح لهم بالإقامة كأجانب ؛ وليس كمواطنين . ومن يغير مكان

إقامته بالنسبة لمن يحمل بطاقة الإقامة ؛ يفقد حق العودة للقدس - بمفهوم القانون الاسرائيلي الجائر- ويُقصد بمكان الإقامة داخل حدود البلدية ؛ ومن يخرج لمتر واحد ؛ كأن يسكن في الضاحية أو الرام أو أبو ديس مثلاً. ومن يطلب جنسية دولة أخرى يفقد حق الاقامة حسب القانون الاسرائيلي أيضاً.

- كما أدخل إجراء بفرض شروط تعجيزية وهو ما يسمى ( مركز الاقامة للفرد وعائلته )أي إن كان سكنه في القدس ؛ ونشاطه ومكان عمله خارج القدس هذا يفقده حق الإقامة .وفرضت شروط أخرى على بطاقة الإقامة ؛ وهي : [دفع كل الفواتير والضرائب دفعةً واحدة ً؛ مثل الكهرباءوالأرنونا ( فاتورة ضريبة البلدية ) وشهادات الأولاد في المدارس وشهادات

ميلاد الأطفال وبطاقات التأمين الوطني ) وقائمة طويلة من الشروط على أن تُدفَع معاً؛ وإن نقص الدفع لفاتورة واحدة يُفقد حق الإقامة في القدس ] وهذا أدى إلى إخراج 100 ألف مقدسي إلى خارج القدس ، هذا غير الذين خرجوا جرّاء الحرب وما بعدها ؛ والذين بلغوا (30 ألف) مواطن .

- أيضاً استمرت الإجراءات القمعية ؛ بممارسة سياسة العزل للقدس وسكانها التي بدأت منذ عام 1967م؛ مروراً بخطوة عزل القدس أمنياً عام 1993م ؛ إضافةً لسياسة التخطيط من خلال خفض سعة الشوارع التي تربط القدس بالضفة الغربية ؛ على حساب توسيع الطريق التي تربط القدس بالغربية وبالأراضي الواقعة تحت الاحتلال .

- وتم إحاطة المدينة بالمستوطنات التي تتوسع بشكلٍ جنوني ؛ حيث تم إلغاء وجود الخط الأخضر عملياً؛ مما أعاق تواصل المدينة مع الضفة ؛وحتى تواصل الأحياء فيما بينها ؛ وهذا كان جداراً عنصرياً آخر مُمِّهداً لصبه في كتلٍ إسمنتية بعد انتفاضة الاستقلال أو الأقصى . وفي هذا المجال يحضرنا بألم؛ الصمت المُتعمَّد والرَّهيب من الأخوة والأصدقاء ؛ ونذكر هنا الجهود الجبارةالمبذولة من قبل منظمة التحريرالفلسطينية والسلطة الفلسطينية لصد هذه السياسة الهمجية العنصرية .

- ويأتي الإجراء التعسفي في السياسة الإسرائيلية والمصطلح عليه بـ ( الأسرلة )؛ استكمالاً للمشروع الإسرائيلي في القدس؛

حيث يعملون على أسرلة الأقلية الباقية في المدينة ؛ والتي لا تتعدى نسبة 30%؛ وذلك من خلال سعي حكومة إسرائيل لربطهم و ربط القطاعات الصحية والتعليمية والتجارية والصناعية والخدماتية بإسرائيل ؛ عن طريق تطويرها ؛ وتحقيق الدمج الكامل بين القدس الشرقية والغربية من خلال الاندماج بالمؤسسة الإسرائيلية ؛ بممارسة التضييق على المؤسسات الفلسطينية وشل قدرتها ؛ لعدم إمكانية الاستجابة لاحتياجات المواطنين المقدسيين وطردها من القدس.

- أما (الاستيطان)؛ فهو الإجراء الذي يعتمد عليه الإسرائيليون في السيطرة على القدس كعاصمة أبدية ؛ حيث بدؤوا بتغيير واقع أحياء البلدة القديمة بتاريخ11/6/1967؛ وذلك بهدم حي المغاربة - والذي أعتقد أنها رسالة للعرب وصلاح الدين في قبره- بأن إسرائيل هزمت ما كنا نعتبره مفخرةً( حيث ذكر التاريخ كيف استجلب صلاح الدين المغاربة للدفاع عن القدس وأسكنهم في ذاك الحي ). بالإضافة إلى ما يهدف إليه هذا الإجراء من تغييرللمعالم الاسلامية والحضارية؛ وإقامة ساحة المبكى عند حائط البراق؛ وكذلك حارة اليهود ؛ ومصادرة(116دونم ) من حارة الشرف والنبي داوود والميدان؛ وترحيل حوالي 6000 مواطن إلى مخيم شعفاط؛( ومن المفارقة العجيبة التي تجعلنا نقف للتفكير؛أن هذا المخيم بني إبان فترة الحكم الأردني وبفترة وجيزة قبل الاحتلال الاسرائيلي للقدس عام 1966م؛ وكأن هناك اتفاق سري لاستيعاب الأعداد المهاجرة من المقدسيين) .

- أما الإجراء الأخير - والذي لن يكون الآخر بحكم طبيعة الإسرائيليين الهمجية ودأبهم لتنفيذ سياساتهم العنصرية المنافية للحضارة والإنسانية -فهو(التهويد) بدءاً من من البرنامج الاستيطاني وصولاً إلى تغيير المعالم الحضارية للمدينة؛وتزويرنتائج

الحفريات والآثار وتغييرتسميات الأماكن وتزويرها ؛ وانتهاك حرمة المقابروالمقدسات الدينية وجعل الطابع الغالب هو اليهودي ؛ كما نشهد في أيامنا هذه من تدمير للمنازل في حي البستان الواقع في سلوان؛ وتهجير الأهالي وتشريدهم ؛ والبدء بمشروع إقامة حدائق حول سورمدينة القدس الأثري القديم ؛ مدعين التحضر الكاذب ! كل ذلك من خلال مشروع الأسرلة ؛ وإضعاف الوجود الفلسطيني في القدس بشتى الطرق والسياسات؛ كمحصلة نهائية للمشروع الصهيوني في مدينة القدس خاصةً وفلسطين عامة ً.

لقد كانت للقدس أهميتها عند رسول البشرية محمد (ص) -ولاننسى ما ذكر في أحاديث الصحابة كيف كانت كل الوفود القادمة للحج تدخل لعند الرسول(ص) إلا وفد واحد كان عليه الصلاة والسلام يخرج لملاقاته ؛ وعندما سُئل أجاب: ( إن هؤلاء القوم كتب عليه الجهاد حتى يوم القيامة ). وكذلك للقدس أهميتها في العهدة العمرية ؛ ولم يبايع الخلفاء الأمويين في دمشق عاصمة الدولة الأموية ؛ بل في مدينة القدس ؛ والقصور الأموية والشواهد الحضارية فيها ؛ وصك النقود شهدته القدس ؛ وزارها العباسيون وحررها صلاح الدين الأيوبي ؛ وحافظ على وصية الأنبياء الشهيد ياسر عرفات الذي كرّس حياته وكذلك رفاق دربه من بعده للدفاع عن القدس وعروبتها ؛ هذه قدسنا تقرع أجراس الخطر بنحيب فمن للصراخ والصدى ونقول :

أنه إذا لم ينصف التاريخ الشعبَ الفلسطيني ... وأنه إذا تكالبت عليه الأمم ؛ فالأرض تشهد كلَّ لحظةٍ بعروبته وأصالته عليها؛

فكم من الآثار قد لفظتها القدس خارج أحشائها؛ لتكون الدليل والشاهد والبرهان الذي يكشف الزيف الاسرائيلي ؛ وإن صمود شعبنا

المرابط في أكنافها لهو قادرٌعلى دحض كل الادعاءات ؛ بأنهم سوف يرضخون تحت نير الضغوطات والممارسات

التهويدية اللاإنسانية ؛ ويتركون المدينة !!لكن هيهات فالتاريخ شهد زوال كل أشكال الظلم والاستبداد عبر الزمان؛

ولا بد سيندحرالاحتلال . وستتجلى القدس في ليلة عرس ٍ فلسطينية كعاصمة أبدية لدولة فلسطين المستقلة .