مدارات - محمد أركون: الرحيل بعد بؤس المسعى
رايه نيوز: أمران لافتان، يستذكرهما كل من قرأ للجزائري محمد أركون، الذي غيبه الموت، أمس الأول، في باريس، بعد أن سعى معظم حياته، لأن تتقبله الثقافة الأوروبية، فيمن عندها من مفكري الحداثة والعلمانية والنقد المتطرف للدين!
أول هذين الأمرين اللافتين، أن الرجل قضى شهوره الأخيرة ( إن لم يكن سنواته الأخيرة) محبطاً خائب الأمل، مثقلاً بقناعته أن الغرب لن يتقبل مسلماً مهما زعم (هذا الغرب) لنفسه من تعالٍ على التمييز، ومهما أزبد وأرغى في الحديث عن العلمنة والتسامح. فمنذ نعمومة أظفاره، نذر محمد أركون نفسه لمهمة «وساطة» بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي، وانخرط طوال ثلاثين عاماً، فيما سماه ـ هو نفسه ـ أكبر مشروع لنقد العقل الإسلامي. لكن حصاده أو ملاحظاته الختامية، جاءت مروّعة بعد عشرة كتب في هذا السياق، وثلاثة عقود من النشاط الكتابي. فلم يفشل مسعاه الى تغيير نظرة الغرب الاحتقارية الى الإسلام والمسلمين وحسب؛ وإنما فشل في محاولته تغيير نظرة الغربيين اليه هو نفسه، كمسلم أصلاً، حسب صديقه الماركسي وشبيهه النقدي جورج طرابيشي. لقد مضى الراحل أركون، الى أبعد مدى يمكن أن يصل اليه مسلم، في تبني المنهجية العلمية الغربية وتطبيقها على الفكر الإسلامي، في إطار النقد الراديكالي للظاهرة الدينية. وكتب هو بقلمه: إنهم يستمرون في النظر إليّ وكأني مسلم تقليدي. فالمسلم في نظرهم ـ أي مسلم- شخص مرفوض ومرمي في دائرة عقائده الغريبة، ودينه الخالص، وجهاده المقدس، فضلاً عن دائرة قمعه للمرأة، وجهله بحقوق الإنسان وقيم الديموقراطية، ومعارضته الأزلية والجوهرية للعلمنة. هذا هو المسلم ولا يمكنه أن يكون إلا هكذا!
إن هذه الخلاصة، على مرارتها وصدقيتها، ليست في تقديري نتاج نزعة عدائية للإسلام، بقدر ما هي نتاج أسباب وعوامل مركبة، من بينها حال الهوان الذي ارتضته الأمة لنفسها أو أرتضاه لها ولاة أمورها. ولعل من بين هذه الأسباب والعوامل أيضاً، انفلات الجهلة والمعتوهين الذين انتحلوا تمثيل الإسلام في مواجهة مفتوحة مع الغرب، فقتلوا النفس التي حرّم الله الا بالحق، وأطاحوا بقيم العدل والحرية والمحبة التي أقرها شرع الله، حتى أصبح مألوفاً، اهتمام الغرب وترحيبه بكل صوت منحرف، يخرج من شعوب مستعمراتها السابقة، فيُهين الدين الإسلامي بجهل وسطحية، وبلغة تفضح نفسها كوسيلة تعبير عن عُقد خاصة واحباطات شخصية، مثلما تفعل الآن أكثر من امرأة، من المهاجرات الى الغرب!
* * *
للراحل محمد أركون، تجربة التمس فيها لنفسه الجدارة في تسخيف الهندي المسلم الأصل سلمان رشدي الذي كتب «آيات شيطانية» دون أن يُساء فهمه في الأوساط الثقافية الآوروبية. غير أن أركون فوجئ بعاصفة من ردود الأفعال التي تطرفت في إساءة فهمه، فجعلته أصولياً وعاراً على جامعة السوربون، وعمدت الى اضطهاده لعدة أشهر، فشعر بالنبذ والاستبعاد من قبل زملائه واصدقائه، ووجد الرجل نفسه، تلقائياً، يتحدث عن العلاقة بين الإسلام والغرب، بلغة حسن حنفي ومحمد عمارة وحتى بلغة سيّد قطب والشيخ محمد الغزالي!
وفي هذا الإطار، لوحظ استنكاف الغرب عن رفض محاولات المعتدلين من المسلمين المستنيرين للتعبير عن أنفسهم بالتواجد وبالممارسة، وأسطع مثال على ذلك، ما يواجهه مشروع «بيت قرطبة» وهو المسمى اختزالاً واختصاراً المركز الإسلامي ومسجد نيويورك الذي سيتألف من 15 طبقة، على بعد نحو مئة متر من «غراوند زيرو» الذي هو مربع انهيار البرجين، ويضمّ مكتبة، ومركز مؤتمرات، وصالة معارض، ومسبحاً، ومركزاً لرعاية الأطفال، إلى جانب المسجد. ذلك علماً بأن هذا المشروع يستلهم اسمه من مدينة قرطبة الإسبانية، التي شهدت تعايش المسيحيين والمسلمين واليهود، بوئام وسلام، طيلة 800 سنة، ويعلن أنّ برامجه وأنشطته تستهدف تعزيز التقارب والتواصل بين مختلف الأديان!
* * *
الأمر اللافت الثاني، في تجربة أركون، يتعلق بخطأ إحالة أسباب التخلف والانحطاط والتطرف المنتج للإرهاب الأصولي المجنون، الى الدين أو الى النص المقدس، والانطلاق من هذه الإحالة، الى نقد الفكر الديني. ذلك لأن الذين أوصلوا الأمة الى هذا الحال، أو الذين شوّهوا صورتها من المتطرفين الإسلامويين، لم يتشربوا أية نصوص، ولا يصح أن نمنحهم دون أن ندري حق التعبير عن الدين، أو أن نُقر لهم بأنهم إسلاميون. فهؤلاء، يدّعون الانتماء الى الدين السمح، ويمكن أن نطلق عليهم وصف إسلامويين. فمن غير المعقول أن تتأسس أية مقاربات على فرضية خاطئة تقول إن الحاكمين والمتطرفين ينطلقوا من نصوص، الأمر الذي يُوجب نقدها حُكماً ووضع مقاربات انثروبولوجية لدحضها، وإثارة الأسئلة والتعرض الى الأسماء والحوادث والأفكار، والى جوهر النص المقدس، والى المفاهيم الأساسية للدين والدولة والمجتمع، والحلال والحرام والمقدس، ثم الإسهاب في الحديث ـ مثلما فعل أركون ـ عن المعرفة القصصية (الاسطورية) والمعرفة التاريخية، والمعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية وغير ذلك. فالطرفان ـ الحاكمون والمتطرفون ـ لم يستوعبا أية نصوص، ولم يتسندا في سلوكياتهما الى أية مفاهيم. هم يستندون الى أهواء وغرائز، وبالتالي هم أجدر بالتأمل والنقد وليس النصوص.
في الختام، لا بأس من التذكير بأن محمد أركون، سافر الى باريس ليبدأ مسعى التماهي مع مثقفيها العلمانيين، بعد أيام من مناقشة أطروحته لنيل درجة الدكتوراة من جامعة الجزائر. فقد كان موضوع الأطروحة، عن الفيلسوف والشاعر والمؤرخ الإسلامي الفارسي بن مسكويه، الذي يُعد كتاب «تهذيب الأخلاق» إنجازه الأعظم، إذ هو سِفرٌ يتعلق بالمعاملات وبتنقية شخصية الإنسان، على أساس أن العيب عيبه، وليس عيب النصوص والعقائد. رحم الله محمد أركون وغفر له!