... وكم مرة ينفتح الجرح ويلتئم؟

2010-09-18 09:16:00

رايه نيوز: لو رسمت في الفراغ كما ترسم على اللوح: دائرة صغيرة شبه مغلقة، سترسم "وعد" الـمقاتلين الخارجين لـمودعيهم، أو جوابهم الفخور على عويل النساء: "لـمين تاركينا"؟
وقعت الـمجزرة بعد أقل من شهر على خروج أولى الدفعات.. وبدأت، من "فندق سلوى" التونسي، حركة عودة فردية أو ثنائية.. ومجاميع. لـم يكن صدر أمر أو قرار من القيادة الـمصدومة. كان الـمقاتلون مدفوعين بصدى سؤال النساء: "لـمين تاركينّا"؟.. أو كانت "عودة صغرى" إلى الـميدان، تحريراً للروح من وجع الشعور بالعار.. ومرارة الخديعة. القيادة ترددت في تصديق ضمانات فيليب حبيب، والـمقاتلون ترددوا في تصديق تطمينات القيادة.
خرجوا ببنادقهم وأعلامهم، وعادوا بثيابهم الـمدنية.. وجوازات سفر نصف مزوّرة. رفاق لهم كانوا قد ماتوا "دفاعاً عن الشعب والثورة والـمنظمة".. والآن، عادوا ليدافعوا عن بقايا بيت وأبوين وأبناء... أو ليسألوا عن مصيرهم: أحياء أو أموات ؟
شهور قليلة أخرى. عام.. وبدأت حركة عودة أكبر وأكثر تنظيماً.. مع دوائر أيضاً، ولكن على خرائط العمليات. قاتلوا، خرجوا، عادوا، قاتلوا، وخرجوا من ثغر آخر.. وتركوا مخيمين آخرين لـمصيرهما: البداوي ونهر البارد.
üüü
عامان، بعد خروجين وعودتين، ستبدأ جولات "حرب الـمخيمات" الكبرى... كأن عظام اللاجئين في صبرا وشاتيلا أصلب من طُوب بيوتهم الركيكة. كان على جيل علي أبو طوق أن يُدرّب جيل الأشبال على معمودية النار والدم.
في سقوط "تل الزعتر" 1976 تجسيد البطولة ــ الكارثة. في "مجزرة صبرا وشاتيلا" 1982 تكرار لأهداف "مجزرة دير ياسين".. وفي صمود "حرب الـمخيمات" 85 ــ 1987 ثأر الشجاعة الفلسطينية من خديعة أيام الغدر 16/17/18 أيلول 1982.
üüü
عرفات أخمد انفجارات الغضب لانتخاب بشير الجميل يوم 14 آب 1982 رئيساً، حتى لا ينفجر "اتفاق الخروج الـمشرّف". بعد شهر، في تونس، سنرى عرفات صارم الوجه، سريع الخُطى في بهو "فندق سلوى" بعد الأنباء الأولى لـمصرع الجميل. كان الرئيس يرى مجزرة قبل حصولها.
انقطعت "إجازة الـمقاتل" بين البحر القريب وردهة الـمطعم.. ونهارات سياحية تونسية. "وين أبو فلان"؟ "روّح.. رجع للبنان". تغيرت عذوبة ماء البحر، نكهة الطعام، ضوء نهارات سياحية.. إلى حلقات يعلوها دخان السكائر.. ويعلو صياح الغضب فوق الدخان. للغضب طعم كاوٍ.
üüü
الذين ماتوا، عشرات، في طلقات الخروج في الهواء لـم يحظوا بملصق. ولـم يحظ 3000 ــ 6000 راحوا في الـمجزرة بملصقات فردية. "مطبعة الكرمل" توقفت.. ثم صارت ركاماً. قبل الخروج توسّل الشاعر للفدائيين: "ارحموا العمّال في مطبعة الكرمل".. وحدها "وفا" ثابرت على الصدور من فندق سلوى البحري.
üüü
بعد الـمجزرة، سيأمر الرئيس ما تبقى من كادر الـمجلة باستئناف الصدور من قبرص. لـماذا نيقوسيا؟ سنعرف، في جولات أخرى، لـماذا.. وكيف صارت قبرص قاعدة إمداد بشري وتمويل مالي وإخلاء لوجستي للجرحى.. وميناء لـ"سفينة العودة" التي نسفتها إسرائيل. سيمرُّون من تونس إلى بيروت عَبر نيقوسيا. سيأخذون معهم إلى طرابلس نصف كادر الـمجلة. خروج بيروت. خروج طرابلس.. وأخيراً، خروج نيقوسيا إلى "جسر الأردن". بعض ــ البعض عادوا. قلـم للكتابة وأقلام للنسيان.
üüü
لا جمرك فلسطينياً على حساب النفس. سنسأل: هل تسرّع "أبو إياد" رحمه الله، إذ قال: تركنا في بيروت مقاتلين ؟ بعد الـمجزرة، سنرى "أبو موسى" مُزَمْجِرَاً في ردهات الفندق. عاد ليَنْشَقّ.
سنرى "أبو الوليد" هادئاً فوق هدوئه. عاد ليُقاتل الانشقاق.. ويستشهد. أبو جهاد سيبقى رفيق عرفات... إلى أن صار "أمير الشهداء".
üüü
لـماذا يكتبوننا أحسن مما نكتبنا؟. دخلنا بين الفندق والخندق. القلـم والبندقية.. وعندما صَحَوْنا، سنصدر، بالتعاون مع الألـمان، أفضل كتاب مُصوّر عن الـمجزرة. من قبرص سننعى علي أبو طوق.. ولاحقاً أبو جهاد. ستزورنا "آمنة" بطلة نساء "حرب الـمخيمات". حرير ساخن على شوك مشتعل.
üüü
سيزدحم أيلول بهبّات النّار والـماء. كم مرّة يلتئم الجرح ؟ كم مرّة ينفتح ؟ كم جسراً قطعنا لنقطع جسراً أكبر؟!.