صرخة أخيرة
رايه نيوز: كانت غادة حبيب رسامة عراقية تحبّ بغداد، ولا ترى لذا الحبّ بديلا. ولو ظلت بغداد كما كانت، لما فكّرت قط في أن تهجرها، لأنها كانت ترى صعوبة في أن تغادرها في رحلة بسيطة، أيام كانت عاصمة بلادها تضجّ بالشعور الوطنيّ، وتشتعل نشاطاً ثقافيا، وفنيا، أبرز عدداً من التشكيليين الذين ينافسون أشهر فناني العالم مكانة وجودة إنجاز؟
كانت غادة حبيب واحدة من معالم بغداد الفنية والإنسانية على حدّ سواء، فهي لا تكاد تغيب عن نشاط أدبيّ أو فنيّ، مما ظلت بغداد تزخر به، حتى اجتاحها العدوان الأميركيّ الأول، فأخذ مثقفوها يرحلون واحداً بعد الآخر، كلّما ضاقت بهم الحياة، وخصوصا بعد الغزو الأميركيّ الذي حاول أن يقضي على تراث بغداد، قديمه وحديثه.
كانت غادة حبيب من أقرب الأصدقاء إلى نفوس من عرفوها عن قرب. ربما نمت بيننا هذه العلاقة الجميلة بعد حوار حول أعمالها الفنية، كان فيه صدق، وكان فيه انفتاح، وكانت فيه طريقة غير مألوفة في حوار حول الفنّ، طويل ودقيق ومتشعّب، لسبب بسيط، هو أن غادة حبيب خرساء.
كنا نجلس معاً، ونتساءل كتابة، ونعلّق كتابة، ونجيب كتابة، وقد نفرح أو نغضب، ونعبر عن ذلك بالكلمات. ومع تنامي المعرفة كانت الجلسات تطول، لأن هذه المرأة الرائعة باتت جزءاً من أية رحلة أقوم بها إلى بغداد. كانت كلّ جلسة تدخل مناطق جديدة في الحديث، لأنه بات حديثاً بين أصدقاء، بعضه في الشأن الثقافيّ العام، وفي بعضه الآخر شيء من الخصوصية التي تكبر يوما بعد يوم. وكانت تتجمع أمامنا في كلّ جلسة أوراق كثيرة، مليئة بالأفكار، والأحلام، وكلّ ما يمكن أن تمتلئ بها جلسات الحديث الشبيهة بين من يستطيعون الكلام.
حين انقطعت عن زيارة بغداد، بعد نكبة التسعين، وما جرّته من نكبات متوالية، كنت حريصاً على السؤال عن أحوال غادة حبيب، وكثيراً ما كنت أتأمل اللوحة التي أهدتني إياها، وهي بعنوان "الصرخة"، وأستعيد تلك الحوارات التي لا مثيل لها، شكلا ومضموناً، وأستشعر معنى الصرخة التي كانت تسود كلّ أعمالها، لتبدأ من حالة خاصة بها، تنعي فقدانها للنطق، وتتمنى أن تستعيده، وأن يكون على شكل صراخ، لتصبح عامة على وضع المواطن العربي، الذي أصيب بفقدان النطق منذ أجيال، وإن كان حلمه في أن يطلق صرخته يظلّ حيّاً كلّ الوقت.
كنت أتمنى لو أننا لم نكن حريصين على إتلاف أوراق الحوارات بعد كلّ جلسة، ولو أنها بقيت في اليد، لأن إمكانية نشرها كحالة إبداعية باتت قائمة، بعد أن صرخت شخصياً من الغيظ، حين صارت بغداد التي أحبّها، ولي فيها ذكريات تشكّل جزءاً مشرقا من العمر، وبعد أن أطلقت غادة حبيب صرختها الأخيرة في بلاد الغربة، بعيدة عن بغداد التي أحبتها كلّ الحب، وبنت فيها من الذكريات ما لا يموت.
غادة حبيب ظلت تتمنى أن تعبر عن أفكارها ومشاعرها بالنطق، مثل غيرها من البشر، وكثيرا ما كان قلمها يخترق الورقة حين تحاور من فوقها، بهدف توصيل فكرتها. وحين لاح أمل العلاج في الغربة، لم تفكّر مرتين، خصوصاً وأن شهرتها كرسامة صارت تستلزم أن تعبر عن مقولتها، وهي تتسلّم هذه الجائزة المهمة أو تلك، أو تترأس اجتماعا ثقافيا تشارك فيه مع غرباء من أمثالها، لم يعد وطنهم يتسع لهم، بعد أن فقد جزءا من أساسيات انتمائه.
لأنني أعرف غادة حبيب جيداً، أستطيع أن أتصوّر أنها كانت تحلم بأن تستعيد النطق، كمقدمة استعادة بغداد، التي لا يغريها بالعيش مكان سواها. من أجل ذلك خضعت للجراحة. لكن جراحتها لم تنجح، ويبدو أنها خلّفت آثارا بليغة تحتاج إلى علاج مستمرّ، أجبر الرسامة التي ركبها الغضب على البقاء في لندن، لأن مكانها الأثير لا يستطيع أن يوفر لها ذلك العلاج.
في لندن، خرجت صرختها الأخيرة: قبل العيد مباشرة، وجدت غادة حبيب مقتولة داخل شقتها، في جريمة لم تكشف تفاصيلها. لم تخرج صرختها من داخل ذاتها، ولم تصل إلى من يمكن أن يوفر لها الحماية من المعتدي. ظلت صرختها في صدرها، وظلت صرخة الذين عرفوها في صدورهم أيضا، لكن على شكل تساؤل: هل كانت هذه الجريمة عبثية، أم مقصودة، كاستمرار لمحاولة نزع حبّ بغداد من قلوب الذين أحبوها؟