مدارات - في نور شمس: الشهيد يصبح نجمة

2010-09-18 09:40:00

رايه نيوز: من المؤكد أن المحتلين يستغلون الوضع الفلسطيني الداخلي، فيقصفون في غزة ويسقط الشهداء، ويدهمون الآمنين في الضفة، ويقتلون بدم بارد، ظناً منهم ـ وهو ظن خاطىء وخبيث ـ أن الشقاق الفصائلي سيجعل حركتنا الوطنية غير ذات تفجّع، على أبنائنا الذين يسفك المحتلون دمهم. فعندما تصعد روح الشهيد الى بارئها، تسمو وتستحيل نجمة، فتتعالى على التُرّهات، تاركة كل الغث على الأرض، مبرقة بما يحكي من جديد، قصة أجيال شعب وحّدته المحن، وتشابهت في مهاجع نومه، أنات الأمهات، وأسئلة الأطفال، ومصائب الثكالى. ويقيني ان هؤلاء المحتلين، لا يسفكون دمنا لدواعٍ أمنية كما يزعمون، وإنما يسفكونه في إطار منهج مرسوم، ألزموا أنفسهم به، لكي ينجزوا مهمة حيوية بالنسبة لهم، قوامها تعميق العداء أكثر فأكثر، قاصدينه بحد ذاته، لكي ينتقل من جيل الي جيل. فهم يهدفون الى دفع شبح التسوية، بإحساس يشبه المشاعر التي تتملك القاتل واللص، الذي لن يصدق أن ضحاياه سيغفرون له، وأنهم سيتشاركون معه في الحياة. في هذا السياق، كان لا بد من سيناريوهات للقتل الدائم، لتلبية هذا الغرض في نفوس معتوهين ظلاميين. فإغلاق أفق التسوية، والاستمرار في القهر، وإدامة الاحتلال، وإنكار الحد الأدنى من حقوق الحياة الآدمية للشعب الفلسطيني؛ كان من شأنه جر القوة الشبابية الحية في مجتمعنا، الى القتال بدون حسبة، بما لديها من وسائل متواضعة، يمكن احتواؤها وجعلها سبباً في تكثيف النيران الاحتلالية والكف عن السياسة. عندئذ، سيكون لسفك الدماء، في الجانب الفلسطيني، ما يتواءم مع المرامي البعيدة. فهكذا يفكر الفاشيون. وبالمحصلة ستتراجع الأصوات الفلسطينية الداعية الى التسوية، وتبلغ الشكوك في النوايا ذروتها، وهي قد بلغت ذروتها سلفاً، مثلما نلاحظ في هذا الخضم!
المحتلون استئصاليون عنصريون، مسكونون بنزعات العداء لكل «الأغيار» لا سيما عموم الفلسطينيين. فماذا فعل إياد أسعد شلباية في مخيم نور شمس لكي يُقتل في بيته وعلى فراشه؟! فإن كان عطش حكومة المستوطنين الى القتل، هو الذي جعلها تستنكف حتى الآن عن إعادة المسؤوليات على الأرض الى ما قبل 28 أيلول 2000 فإن الجرائم التي تقترفها قواتها النظامية، يُراد منها إضعاف قناعتنا بجدوى السلطة أصلاً، طالما انهم ماضون في تكريس وصفة كي الوعي الجمعي الفلسطيني بلسعات القتل والجرائم الدامية، ظناً من هؤلاء أنهم سيحظوْن في النهاية برضوخنا!
المحتلون لديهم مراكز دراساتهم ويعرفون أنهم يمارسون كل ما من شأنه دفع المجتمع الفلسطيني الى اليأس، والى الأعمال الهرقلية «عليّ وعلى أعدائي» والى شطب السياسة من حسابه. هم يريدون للمجتمع الفلسطيني أن يؤيد كل شكل من ردود الأفعال الانتقامية، بصرف النظر عن نتائجها وأماكن وقوعها، طالما أن جرائم المحتلين لا تتوقف. وهؤلاء المحتلون، يسعون الى وضع السلطة الفلسطينية أمام خيارات صعبة لن تختار أياً منها: إما أن تشن حرباً على المجتمع الفلسطيني مقابل وعود تافهة وبعض الاجتماعات العقيمة، لكي يندثر نهائياً الوجود السياسي لحركة التحرر الوطني، وإما أن تتحمل مسؤولية نفض اليد نهائياً من العملية السلمية بسبب عقمها، فتمنح المشروع الصهيوني هدية اختفاء الطرف الوطني السياسي!
فما حدث في مخيم نور شمس، وقبله مراراً في محافظة نابلس ومن أمثلته إعدام المناضلين الفتحاويين رائد السركجي وغسان أبو شرخ وعنان صُبح (26 كانون الأول 2009) فيما هم آمنون في بيوتهم؛ يضع الفلسطينيين أمام أحد الخيارين، لذا فإن التوجه الطبيعي المضاد، بات الآن ـ حصراً ـ تخيير الأميركيين والعرب (وبالطبع دولة الاحتلال وحكومتها المتطرفة) بين أن تكون هناك سلطة فلسطينية، قوية ومحترمة ومُصانة ذات مناطق فلسطينية آمنة، أو أن يواجهوا موقفاً يتحملون فيه مسؤولية العودة الجماعية الفلسطينية، الى صيغة الحركة الوطنية المقاتلة، السرية ونصف السرية، والعلنية والمقيمة والمهاجرة والمنظمة والارتجالية، التي تتبلور أطرها ورموزها من جديد؟ لم يعد الوضع يسمح بالتعاطي مع مسار سياسي مشوّه، يتزامن فيه القتل مع الاجتماعات. ليس هناك من لغة أو بيان، في مقدورهما تعليل الاستمرار، في مربع السياسة والسلطة، إن ظل هذا الاستمرار مترافقاً مع استحواذ المحتلين على أوضاع وإحداثيات الرماية الحرة، الإجرامية، بكافة الأسلحة، وفي كل الاتجاهات، على الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة. رحم الله الشهيد شلباية، الذي بات نجمة تعالت على تُرّهات أوقاتنا!