نافذة - أسماء
رايه نيوز: ولدت في عمان، وقضيت سني طفولتي في قريتي ديراستيا. في تلك الأيام كنت أعرف بكنيتي «أبو النادر»، ولم أعرف أن اسمي فؤاد إلا في المدرسة عندما أصر استاذ الصف الأول الابتدائي على مخاطبتي بهذا الاسم الغريب! وكان حال كل أقراني مثل حالي.. «أبو السعيد» و»الحوت»، و»ابو الصيصان».
في نهاية دوام اليوم الأول في تلك السنة الدراسية البعيدة عدت إلى البيت مهموما بسؤال الهوية... وهو سؤال لا يزال يشغلني ويشغل الكثيرين من المثقفين العرب حتى الآن. لكن أمي، يرحمها الله، علمتني في ذلك اليوم أن لكل شخص اسمين، واحد له والثاني للحكومة، واستمرت في مخاطبتي بكنيتي حتى توفاها الله قبل خمس سنين.
حولتني المعاملات الرسمية والأوراق الثبوتية إلى فؤاد، رغم أن «أبو النادر» اسم أكثر وقارا ويكفي أنه يملأ الفم، ولا يشترك فيه معي مطرب أعراس أو خبير في المكياج. وقد قبلت التعايش مع هذا الاسم، وما أزال متعايشا معه على مضض، خاصة وأنني بلغت من العمر عتيا، وأنوي أداء فريضة الحج، ما سيقود إلى اقتران غيرمألوف بين اللقب والاسم حين يصير اسمي الحاج فؤاد!
ظل الاسم الرسمي ملازما لي كظلي، حتى بدأت العمل في الظل، وانخرطت في النشاط السياسي في زمن الجمر العربي، فمنذ الخطوة الأولى في هذا الطريق الوعر كان علي أن أحمل اسما آخر، وهميا أو حركيا. وقد حملت الكثير من هذه الأسماء قبل أن أعود في زمن الرماد العربي إلى اسم الحكومة «فؤاد».
تعودت الآن على الاسم، ولم يعد هناك ما يحرجني، خاصة وأن معظم الزملاء في العمل يكتفون بمخاطبتي بكلمة «أستاذ» بينما يخاطبني أصدقائي وأقاربي باسم «أبو أيمن» وهو اسم يليق بالاقتران بلقب «الحاج». وليس مهما إن كنت مرتاحا أو غير مرتاح للاسم، فهناك مثل انجليزي يقول: نادني بأي اسم تريد، ولكن لا تتأخر بمناداتي لتناول العشاء.
صرت محايدا تماما إزاء الاسماء، لذا لم أتدخل في اختيار اسم حفيدتي الأولى، وعندما استأذنني أيمن بتسمية الصغيرة «دارما»، أجبته بأن اسم ابنته حق له ولوالدتها فقط. وها هي «دارما» تقترب من عامها الثاني، وتنسيني حين أراها حمولة تعب نصف قرن.
لا شيء أكثر خصوصية من الاسم، ولا حق لأحد أو جهة بفرض أسماء المواليد الجدد على آبائهم وأمهاتهم، لأن هذا انتهاك لحق أساسي من حقوق الوالدين، ولأن الحكومات لا تعرف طعم الحلم الذي يعيشه زوجان ينتظران مولودهما الأول. ولو ترك الأمر للحكومات لكانت كل أسماء العرب لا تزيد عن بضع عشرات للذكور ومثلها للإناث، ولكانت صفوف المدارس مكتظة بالأسماء المتشابهة، وكذلك حقول الفلاحين ومصانع العمال وطوابير العسكر.
في زمن آخر، خدعنا بدلالات الأسماء، وكنا نتهكم على من يحملون أسماء خارجة عن مألوف تخلفنا... ثم اكتشفنا وجود جواسيس وعملاء يحملون أسماء مثل عبد القادر وسطام وماجد، وودعنا شهداء يحملون أسماء فادي وسامر وعلاء.
يظل الاسم حقا للانسان مثل حقه في الحرية، لكن الجهة التي ترفض الاعتراف باسم «ايدا» لصغيرة زميلي الصحفي العماني عبد الله خميس لا تعترف بهذا الحق ولا تدرك بأن القيود والسجلات الرسمية لا تغير هوية الانسان أو تحدد مساره.
أنادي عبد الله منذ الآن بـ «أبو ايدا»، وأعده بأن أحضر عرس «ايدا» إذا من الله علي بطول العمر. وآمل أن يتطابق الاسم المنطوق مع الاسم المسجل في الهوية، لأن الخلاف في الأمر يحسم عادة بالانحياز لصاحبة الاسم، وليس لختم رسمي على هوية.