شهادة البنك الدولي

2010-09-23 10:09:00

راية نيوز: شهادة البنك الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها وبرنامجها حول مدى التقدم الذي أُحرز على طريق بناء مؤسسات الدولة هي شهادة استثنائية من حيث المعنى ومن حيث الدلالة والمغزى ومن حيث التوقيت والظروف المحيطة، وسيكون برأينا لهذه الشهادة ما بعدها وسيكون لها من الفعل والتأثير ما هو اكبر وأكبر بكثير وبما لا يقاس من الحجم والمساحة التي تحتلها هذه الشهادة اليوم.
ففي عالم اليوم يضطلع البنك الدولي بدور محوري في تحديد أحقيات الدعم والمساندة، كما ان لهذه المؤسسة الدور الحاسم في تقييم الأداء التنموي لمعظم بلدان العالم وعلى الأخص البلدان النامية منها، كما ان للبنك الدولي الدور الأهم في رسم خارطة وآليات الأبعاد المؤسسية المرافقة للجهود التنموية من زاوية الجاهزية والاستجابة بما تنطوي عليه من تمكين وبناء قدرات. فعندما يقر البنك الدولي في تقريره الأخير بأن جهود البناء المؤسسي وجهود التنمية الوطنية في فلسطين قد وصلت الى حدود ومشارف الجاهزية لإدارة شؤون الدولة الوطنية المستقلة، وعندما يقدم البنك الدولي على إعطاء هذه الشهادة للأداء الفلسطيني على فترة زمنية هي قياسية بالمقارنة مع الفترات المعتادة، وعندما يصدر البنك الدولي هذه الشهادة في ظل حالة الصراع القائمة اليوم بيننا وبين إسرائيل حول حقنا في إقامة دولتنا الوطنية المستقلة، وفي ظل كل ما يحيط بهذه المسألة من عقبات ومن عراقيل لمنع قيام هذه الدولة أو لتحويلها إلى مجرد منعزلات خاضعة للتحكم الإسرائيلي، عندما يصدر البنك الدولي هذه الشهادة في ظل كل ذلك فإن للمسألة هنا ما هو هام وكبير وعظيم المنزلة والتأثير.
من أين تستمد هذه الشهادة أهميتها ولماذا لها مثل هذا الأثر والأهمية؟
أولاً لأن برنامج حكومة د. فياض الذي أطلق في آب من العام الماضي والذي شدد على الكثير من المفاصل التنموية الأساسية بما في ذلك المشاريع الخاصة بالبنية التحتية وعلى البناء المؤسسي الملازم والمرافق للجهود التنموية قد نجح وفق شهادة البنك الدولي ووفق بيان الرباعية الذي صدر بالأمس فقط والذي تبنت الرباعية الدولية من خلاله كامل مضمون شهادة البنك الدولي، بحيث أصبحنا اليوم أمام معطيات جديدة مفادها ان الجهود التنموية وجهود البناء المؤسسي على مدى العام الماضي (كقاعدة انطلاق جديدة على جهود تنموية سابقة بعامين كاملين على الاقل) قد تكللت بالنجاح، بدليل ان البنك الدولي في تقريره وكما تم تبنيه بالكامل من الرباعية الدولية بات يؤكد بأن هذه الجهود إذا ما استمرت بالوتيرة التي سارت عليها طوال العام الماضي، فإن السلطة الوطنية ستكون جاهزة للتحول الى دولة وطنية مستقلة بكل ما في ذلك من بنى وهياكل ومقومات وقدرات في الادارة الوطنية، وبكل ما يتطلبه ذلك من نضوج سياسي ومؤسساتي وفني في أية فرصة قريبة قادمة.
وثانياً: لأن شهادة البنك الدولي في معرض التقييم للجهود التنموية الفلسطينية وكذلك للجهود في مجال البناء المؤسسي على مختلف الصعد والاتجاهات قد اشاد بهذا التقدم على الرغم من كل العقبات والعراقيل التي تضعها اسرائيل والتي حاولت وتحاول اليوم وضعها لإعاقة هذا التقدم، وهو أمر له اهمية كبيرة من ناحيتين على الاقل:الناحية الأولى هي ان إسرائيل ليست معنية بالتنمية الوطنية الفلسطينية بل هي ممانعة للجهود التنموية الفلسطينية، وهي تستمر بكل السبل والوسائل "الممكنة" لإعاقة هذه الجهود، وهذه الناحية بالذات هي برسم من ادعوا ومن يدعون او ما زالوا يدعون ان خطة حكومة السلطة الوطنية ليست إلا الوجه الآخر لخطة السلام الاقتصادي. وها هي الرباعية في بيانها الذي صدر بالأمس فقط تحث اسرائيل على إزالة العقبات التي تضعها أمام هذه الجهود والتي تتمثل في الحواجز والمعيقات المصطنعة بصورة خاصة لإعاقة حركة السكان والسلع في اطار الاقتصاد الوطني على المستوى الداخلي وفي اطار هذه الحركة مع المحيط الخارجي عبر المعابر ولكامل دورة الاستيراد والتصدير والتجارة الخارجية. اضافة الى العقبة التي تتمثل بالحصار على غزة.ان هذا النجاح قد تحقق فعلاً على الرغم من السياسات الإسرائيلية وهو ثمرة من ثمرات الجهود الوطنية المحمية اقليمياً ودولياً وليس الموافق عليها إسرائيليا كما تورط البعض في فهمها وتفسيرها.أما من الناحية الثانية فإن إشارات البنك الدولي وكذلك الحديث المباشر للرباعية الدولية عن هذه الإعاقات الإسرائيلية انما يعني بأن المعركة في النهاية ومن زاوية معينة هي المعركة على المجتمع الدولي وان هذه المعركة في ظروفنا الوطنية الخاصة هي معركة حاسمة في تقرير مصير العملية السياسية وان برنامج "ازالة الاحتلال وإقامة الدولة" الذي استكمل ببرنامج "موعد مع الحرية" هو برنامج الربط الإبداعي ما بين الجهود الوطنية لمعركة البناء والصمود وما بين الغطاء الدولي لهذه الجهود والذي تمثل بتقرير البنك الدولي ودعم ومساندة الرباعية الدولية لهذا التقرير، بل والاستناد اليه تحديداً في بيانها الاخير.
أما ثالثاً وهو الأهم فإن السلطة الوطنية الفلسطينية تملك اليوم من المساندة والدعم والتأييد على الصعيد الدولي ما يمكنها من استثمار هذا التأييد في المعركة السياسية التي تخوضها مع الاحتلال حول مشروع الاستقلال الوطني.
ويبدو أن رئيس الوزراء قد بذل جهوداً دبلوماسية مميزة في تحويل شهادة البنك الدولي الى وثيقة سياسية على لسان الرباعية الدولية، ولا شك انها كانت معركة سياسية ناجحة بل وربما اكثر من النجاح الذي سجله لنا البنك الدولي.
لقد تحولت عملية التكامل ما بين الجهود السياسية التي تبذلها منظمة التحرير الفلسطينية والجهود التنموية التي تقودها حكومة السلطة الوطنية الى واقع ملموس وأصبحت وتحولت المعركة التي تخوضها لكسب دعم وتأييد المجتمع الدولي بكل ما يعنيه ذلك من تقدم على طريق الحرية والاستقلال وبكل ما يعنيه ايضاً من حصار للاحتلال وعقليته وسياساته وممارساته.. الى معركة واحدة تتضافر من خلالها كل الجهود وتتكامل فيما بينها.
ان بيان الرباعية ومن قبله شهادة البنك الدولي قد أصبح اليوم سلاحاً مهماً من أسلحتنا في مواجهة الاحتلال وفي دحض كل مقولاته ومفاهيمه وتبريراته التي يحاول بها أن يتقدم للمجتمع الدولي لتقويض الجهود الوطنية للبناء والصمود. فلم تعد المسألة، مسألة البناء والتنمية معزولة عن السياق السياسي بل تحولت موضوعياً في ظل هذا النجاح وفي ظل هذا الاعتراف الدولي بهذا النجاح إلى معول سياسي مباشر في معركة المفاوضات، وأصبحت احد أسلحة الجدارة والقدرة والاستحقاق، وهو الأمر الذي يهلهل النظرية الإسرائيلية حول (الضمانات الأمنية المحكمة)، وحول "التهديدات" المستقبلية وتحول تقرير البنك الدولي وبيان الرباعية الى عامل تحشيد وعامل تأييد لحقوقنا الوطنية ولمدى التزام المجتمع الدولي تجاه هذه الحقوق. ليس فنياً تقرير البنك الدولي وليس اعتباطياً صدوره في هذه الظروف وفي خضم المعركة حول المرجعيات وحول الأهداف النهائية للعملية السياسية وليس صدفة ابداً ولا هي مجرد مفارقة عابرة ان تتبنى الرباعية هذا التقرير بكل ما يحتويه من مضامين سياسية وأن تزيد عليها.