أنبياء وأقوياء .. العاطفة والعقل
رايه نيوز: يذهب بنا الحزن، أوقات حزننا، شقائنا التي هي أطول من أوقات أفراحنا، بعيداً حتى الطبقات القصوى، السحيقة من الرقائق الدفينة لمشاعرنا، وحينما نحزن فإنه بعكس الضحك، لا أحد يحزن معنا، وحيدون في الحزن والشقاء هكذا نحن. لكن ليس سوى الحزن، شعورنا وحيدين بالشقاء التعاسة والوحدة، ما يعكس الجانب البطولي فينا الذي غالباً ما يكون ثاوياً، نائماً فينا وتوقظه المآسي فنحن هكذا في المأساة كأبطال، لا يوجد وضع مأساوي مهما كانت شدته لا يستطيع الانسان التعايش معه واحتماله. ولكن بعكس ذلك ونحن نشعر بالسعادة، راحة البال، وطوبى لمن نام على هم قديم هكذا كانت تقول جدتي فاطمة رحمة الله عليها، فإننا نبدو كآلهة.
اختاروا ماذا تريدون، ان تكونوا كأبطال المآسي أم كأبطال الكوميديا الساخرين الهازئين. تذهب بنا الاحزان حتى الظلمات الموغلة في الوعي الباطني للانسان عميقاً كبحر الظلمات، كأبر أشواك او مسامير حادة دقيقة، وربما ايضاً كشفر او سكاكين ذات أطراف حادة، تخترق هكذا تلافيف هذه الظلمة، لتفغر قاعها، قشرتها الهشة الاخيرة الرقيقة.
من الذي سلب منا هذه القدرة، المناعة، المقاومة، إزاء الشعور بالمأساة، إزاء شعورنا بالتعاسة والحزن ولماذا نفتح فكينا كما شفتينا على انفراجهما الواسع حين نضحك، وتظهر كامل صفي اسنانا كما لو اننا نتأهب للانقضاض على فريسة بينما نحن نضحك؟ فيما الحزن هو الذي يقبض على ملامح الوجه والجسد، يدفعنا حتى للنوم، الاستلقاء على وجوهنا، او على الجانب الايسر كأنما نقلد سلوك النعامة بدفن رؤوسنا بالرمال وترك ظهورنا لرحمة السماء. ويقول الشيخ محمد راتب النابلسي، انما هذا الحزن، المآسي هي ابتلاءات الله، ومن أحبه الله ابتلاه، قصة ايوب الرجل الصالح.
قل لا حول ولا قوة الا بالله، ويا رب اني اعوذ بك من الشيطان الرجيم، والا بذكر الله تطمئن القلوب. "وأرحنا بها يا بلال" أي الوضوء والصلاة. واذا كنتم تعانون من شعور رقيق، حساسين ومرهفين فليس عليكم سوى مواجهة هذه المصائب الاحزان، بإقناع انفسكم بأن كل شيء انما هو قضاء وقدر من فعل قوة، سلطة، أكبر منكم. وانه ليس عليكم، والحالة هذه ان تنتبهوا الى جانب كل هذه التعويذات، بأمر هرمون السيراتون المسؤول عن تعديل مزاجكم المأساوي الى مزاج فرح بيضاوي وضاحك.
انتبهوا في هذه الحالة الى طعامكم، فمن هذا الطعام يتشكل دمكم ومن دمكم يتحدد مزاجكم وافكاركم. فان كنتم من آكلي اللحوم والدواجن وما شابه ذلك، فانكم لن تفعلوا سوى زيادة الطين بلة، تحويل مشاعركم الحزينة الى شعور بالحقد والرغبة في الانتقام، وفي الليل وقد تعكر دمكم، لن يعمل هرمون النعاس، بصورة طبيعية ويلقي عليكم برحمة النوم، ودعة السكينة. ولكنكم ستواصلون السهر مع القمر اخي الشمس الاله الجريح، تعذبكم الوساوس ومشاعر الانتقام حينما تستيقظ في دياجير الظلمة في الليل، الافكار والغرائز السوداء، التي غالباً ما يطفئها نور الشمس، وتنتظر حلول الظلمة، الليل، لتخرج من جحورها الرطبة.
النور والظلام لماذا قيل ظلمات النفس، وفي التحليل الننفسي للخافية الانسانية كان البحر هو المعادل الرمزي في التفسير الفرويدي للحلم، النفس البحر .
ويرى علماء التغذية، ان البقوليات هي التي تتحول خلال عملية الهضم الى افراز وتنشيط هرمون السيراتون المسؤوول عن شعورنا بالسعادة، وتحسن المزاج، وان المثال الاوضح هو مملكة الحيوانات، المزاج الهازئ الانبساطي السعيد للبقرة الضاحكة وأكلة النباتات، مقارنة بالمزاج الغضبي العدواني المفترس لأكلة اللحوم. والافتراس البشري هنا، قد لا يكون النزعة العدوانية بالمعنى الوحشي والعنيف، وانما ايضاً النزعة العدوانية التي يمكن احالتها الى السلوكيات ذات الطبيعة الافتراسية النمائم، المؤامرات الكيدية والدسائس الخطابية، التشاجرية، كما الحسد والنفاق، وصولاً الى العنف الجسدي في العلاقات الزوجية والصراعات السياسية على السلطة وكل ما هو تعدّ وتجاوز للحدود.
راقبوا مزاجكم لكي تستدلوا على صحة طعامكم تحول مزاجنا الى الاسوأ هو الذي يشير الى ان الطعام لم يكن ملائماً. لكن المسألة ربما تتعلق اخيراً، بالطباع الانسانية نفسها، كما لاحظ ابقراط وكما لاحظ الشيخ النابلسي من ان هناك اناساً قدوتهم الانبياء وآخرين قدوتهم الاقوياء والجبابرة.
الاولون ذوو الطبع النبوي تقوم سعادتهم على العطاء، بينما الاقوياء ذوو الطبع الجبار فإن سعادتهم تقوم على الأخذ ماذا تريدون؟ ان تعطوا او ان تأخذوا؟ وقيل ان الانبياء لا يورثون. والجواب هو ان خير الامور الوسط أي ان تأخذوا وتعطوا. ولكن المسألة بالاخير قد تكون هي التالية: ان الاشخاص هم نوعان نوع منهم يتعامل مع الحياة بالشعور بعواطفهم، مشاعرهم الحساسة والمرهفة، ونوع آخر ثان يتعامل مع الحياة بالعقل، الحسابات المنطقية المجردة دونما عاطفة او شعور.
في خطوط اليد، هنا يوجد المفتاح، في العلاقة بين خطي الضمور العاطفي والعقل لكن المأساة الحقيقية كامنة في ان اصحاب المشاعر الذين لا يملكون القدرة على التجلد، وقلوبهم ارق من ان تجرؤ على قتل صرصور ينتهي بهم المطاف الى المأساة. فيما اولئك الاخرون العقلانيون المتجلدون، ينتهي بهم المطاف الى الضحك على الحياة والاخرين.
انهم يملكون القدرة على تطويع الحياة، وهم اناس يعرفون ماذا يريدون ويسيرون الى اهدافهم بإصرار، انهم الاشخاص الاقوياء، الذين ينتهي المطاف بهم الى الموت شبعاً من الحياة. الاولون اصحاب المشاعر ينتهي بهم المطاف الى الموت تعباً من الحياة.
هل نريد ان نموت شبعاً من الحياة ام تعباً منها ؟ والمسألة واضحة هل تريدون ان تكونوا انبياء قديسين شهداء، ابطال، مأساويين، ام تريدون ان تموتوا كأشخاص يشكر الناس في سرهم الله ان أراح العباد منهم.