مجانين!؟

2010-09-27 07:52:00

رايه نيوز: في تقريرها الذي نشرته مؤخراً، على موقعها الالكتروني، أشارت منظمة الصحة العالمية، إلى أن ربع سكان العالم مرضى نفسيّون! ومع أن هذه النسبة التي تقول إن واحداً من كل أربعة أشخاص على امتداد القارات، مريض نفسياً، تبدو عالية، إلا أن القراءة الهادئة لها، تؤكد على أن سكان الأرض ما يزالون بخير، فلم يفقدوا عقولهم جميعهم، أو ثلاثة أرباعهم مثلاً، وهم يواجهون الكوارث والنكبات والأزمات المتلاحقة، بأشكالها وأنواعها المتجددة والمعقدة، سواء في البلدان التي ينخفض فيها الدخل إلى حد الفقر والجوع، أو التي تنمو على دخل متوسط، وصولاً إلى المتمتعين بدخول مرتفعة.
وطالما أن المؤشرات لهذه المواجهة، تكشف في ذاتها، عن أن الكوارث والنكبات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والعسكرية والسياسية وغيرها، في تفاقم مستمر، إلى جانب كونها ذوات مواصفات غير مسبوقة، في كل مرة، فإن تلك النسبة للمرضى النفسيين، والتي رأينا أنها "معقولة" سوف ترتفع بالضرورة، إلى مستوى يكاد بصح فيه القول آنذاك، إن العالم كله مريض نفسيا! ولكن، من الذي سوف يقرر في ذلك الحال القادم، مثل هذا المستوى؟
هل تذكرون حكاية أو أسطورة "نهر الجنون"، حين شرب الناس كلهم من ذلك النهر، باستثناء قلة منه، فكان المجانين بكثرتهم الغالبة، هم العقلاء، في الوقت الذي أمست فيه القلة العاقلة، هي المجنونة، مما اضطرها إلى الشرب أخيرا، من النهر ذاته. ولنا في المثل الشعبي الدارج، حكمة أشد وضوحاً وحسماً، رغم هولها المتربص بالنص الصريح "إذا انجن ربعك، عقلك ما بنفعك".
والحكمة ذات الهول، أن العالم كله، من أقصاه إلى أدناه، لما يغرق بالأمراض النفسية، أو بالجنون على الأصح، ماذا يبقى منه لمسميات الحضارة والتقدم وحقوق الإنسان، إلخ؟ أم إن أؤلئك المرضى النفسيين، أو المجانين المتدفقين بسرعة فائقة، سيكونون الأقدر على قيادة العالم، من كل هؤلاء العقلاء الحاليين؟
الواقع، أن "العقل البشري" في طفرته الراهنة، يتجه تلقائياً إلى تدمير نفسه، بمنجزاته الحديثة التي يفخر بها. فهو، بقدر ما يحقق من هذه المنجزات المتواصلة ما يحسب أنها ثمرة عبقريته لرفاهيته في بلدان معينة، بقدر ما يتحول إلى وحش كاسر في هذه البلدان نفسها، تماما كما في بلدان أخرى، ما يجعل من القارات كلها، مجالاً مفتوحاً له في التدمير والتكسير.
الأزمة الاقتصادية الأخيرة، على سبيل المثال، وهي ما إن تخبو قليلاً، حتى تفتح أبواب الجحيم أمام اشتعال غيرها، في مرحلة قريبة، كم خلفت وراءها من مرضى نفسيين أو مجانين، في بلدان ذوات دخول مرتفعة جدا، مثل الولايات المتحدة، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن حصيلتها المفزعة في البلدان النامية والفقيرة والمهمشة والمنسية؟
أما الكوارث المناخية فإنها سمة العصر بأكمله، وهي تجتاح العالم كله، بالأعاصير والفيضانات والاحتباس الحراري المتصاعد، والزلازل، والتي يقول الخبراء إنها في بعضها، وربما في غالبيتها، من صنع العقل البشري نفسه، وهو يفتك بتوازنات البيئة والطبيعة من حوله، باسم مخترعاته ومكتشفاته.
ويمثل انتشار الأوبئة والأمراض المتمردة على العلاجات الملائمة لها، ظاهرة كونية جديدة يعجز الطب عن متابعتها. وإذا تابعها بتقنيات حداثته، فلا يخلو الأمر، من جشع تجاري مرعب ومسيطر، يضيف بثقله الانتهازي الوحشي، أوبئة وأمراضاً أخرى تستلزم من جانبها متابعات قائمة في الأساس، على ذلك الجشع، دون اكتراث بكل ما يتحدث فيه الفلاسفة المجانين عن الأخلاق والقيم والمُُثل الإنسانية. ولعل الهوس الأممي الذي أثاره هذا الطب التجاري، حول وباء "انفلونزا الخنازير" مؤخراً، على سبيل المثال الذي هو جزء من سلسلة طويلة من الأمثلة المتلاحقة، باق في تعذيب الذاكرة، على طريق وباء آخر يفتح المزيد من خزائن المال أمام أباطرة شركات ومصانع الأدوية والعقاقير.
ومن البداهة أن كل الحروب المفزعة التي عرفتها البشرية على مدار عصورها القديمة والوسيطة، لا تقاس بشيء، بالنسبة للحروب الحديثة القائمة على الإبادة والتخريب الشامل والتلويث المزمن للأرض والإنسان، من خلال هذه المخترعات والمكتشفات التي تعجز اللغات عن رصد كل أسمائها ورموزها.
جنون؟ لا بأس. هو خير وأبقى من هذا العقل الإجرامي!.