أهل الشمال وأهل الجنوب

2010-10-03 13:21:00

رايه نيوز: يجب أن نعترف أولاً أن جذور الإنقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة لا يعود تاريخه فقط الى تاريخ سيطرة حركة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة في عام 2007، بل يعود الى أقدم منذ ذلك بكثير، وعلى وجه الخصوص الى العام 1993، حيث نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية، ورافق ذلك بدء بذور الإنفصال الثقافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة بفعل قطع الإحتلال منذ التاريخ لأواصر التواصل ما بين هاتين المنطقتين، فيما لم تتخذ السلطة الوطنية الفلسطينية بالمقابل اية سياسات من شأنها تخفيف الفجوة، بل ساهمت بعض سياساتها وإن كانت بغير قصد في تعزيز الفجوة، التي أصبحت بيئة مناسبة لتحقيق الإنقسام الجغرافي والسياسي حال تحققت الظروف الملائمة لذلك.

خلال هذه المرحلة لم تصر السلطة الوطنية الفلسطينية على تحقيق سياسة التواصل الجغرافي بين جناحي الوطن ، بل على العكس من ذلك قل التواصل في مختلف الأصعدة، فجامعات الضفة الغربية التي كانت تستقبل سنوياً مئات الطلبة من قطاع غزة لم تعد تفعل ذلك بسبب تعذر وصول طلبة القطاع الى الضفة الغربية، ومظاهر التواصل الإجتماعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة تراجعت وأصبحت شبه منعدمة، ومؤسسات السلطة الفلسطينية كانت منقسمة وغير موحدة، فالجهاز الأمني في قطاع غزة يقابله في بعض الأحيان جهاز امني في الضفة الغربية يحمل نفس الأسم وقيادة منفصلة، والوزارات منقسمة بمرجعياتها بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وزير في قطاع غزة يقابلة وكيل في الضفة يتمتع بنفس صلاحيات الوزير والعكس صحيح، مدير عام في قطاع غزة يقابله نائب مدير عام في الضفة في نفس الوزارة بنفس الصلاحيات، حتى رواتب الموظفين في هذه المرحلة كانت تتبع لمرجعيتين منفصلتين واحدة في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة.

المؤسسة التي كانت موحدة بشخص واحد دون مراكز قوى متصارعة في الضفة الغربية وقطاع غزة هي مؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله، وكان الرئيس يقسم وقته بين شطري الوطن، معتمداً على ذاته وليس على مؤسسات في تحقيق التواصل بين كلا التجمعين. المجلس التشريعي كان أيضاَ بمثابة مؤسسة واحدة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومهمتة الأساسية توحيد التشريعات التي فرقت بين الضفة الغربية وقطاع غزة سنوات طويلة، ونجح بالفعل في اقرار تشريعات موحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، خلقت في بعض الأحيان أجسام موحدة في كل من الضفة والقطاع، ومثال على هذه الاجسام نقابة المحامين، التي أصبحت رسمياً بين نقابة موحدة لكل المحامين، رغم أن أداة الإنتخاب فيها لا تتم كوحدة واحدة، فمحامي القطاع كانوا ينتخبون ممثليهم فقط في النقابة ولا يشاركون في اختيار ممثلي الضفة الغربية، والأمر ذاته يحصل في الضفة الغربية، دون أن يلتئم كل المحامين في اجتماع موحد لينتخبوا مجلس النقابة، وهذا انعكس على باقي المؤسسات والمنظمات الشعبية والمهنية التي لم تقم بأية سياسات فاعلة تعزز الإندماج بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

المجلس التشريعي ورغم دوره السابق في توحيد التشريعات انجر في بعض مراحل عمله نحو تعميق الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أو ما أصبح يعرف في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية بمحافظات الشمال ومحافظات الجنوب، فقد صوت اعضاء المجلس التشريعي في احدى جلساته على اساس الإنتماء الجغرافي للأعضاء، وليس على أساس الموقف السياسي، رغم أن غالبية أعضائه من نفس اللون السياسي، فقد صوت اعضاء المجلس التشريعي من قطاع غزة في احدى المرات باتجاه وأعضاء المجلس من الضفة الغربية بالإتجاه الآخر، في دلالة على تغلب نزعة الإنتماء الجغرافي على حساب الإنتماء السياسي.

إن ما ذكرته في هذه المقالة لا يشكل حصراً لمؤشرات تعمق الفجوة التي زادت عما كانت عليه في عهد الإحتلال الإسرائيلي، فالكل يذكر كيف أن حادث السير الذي أودى بحياة أربعة مواطنين فلسطينين من مخيم جباليا بتاريخ 7 كانون اول 1987 على حاجز ايرز لاقى صداه في في مخيمات الضفة الغربية أسرع مما لاقى صداه في قطاع غزة، حيث اندلعت على الفور في الضفة وفي قطاع غزة انتفاضة شعبية التزمت ببرنامج قيادة موحدة، وهذا بحد ذاته يشكل دلالة على عمق الترابط والتواصل بين هذين التجمعين في هذه المرحلة التي سبقت نشوء السلطة الوطنية الفلسطنية. اعتقد أن سياسة القمع الإسرائيلي خلال عشرين عاماً من الإحتلال شكلت عامل توحيد وتقريب بين التجمعين في حين غاب عن بال من جاءوا للسلطة نتاج هذه الإنتفاضة تعميق هذا التقارب رغم قدرتهم على فعل ذلك، فنتيجة هذا الغياب كانت استجابة اهل الضفة الغربية لمقتل أربعة أشخاص في كانون أول عام 1987 اكثر من استجابتهم لمقتل مئات الأشخاص في حرب مدمرة شنها الجيش الإسرائلي على قطاع غزة في نفس الشهر من عام 2008، حيث كانت الإستجابة وردة الفعل خجولة، وأقل من أية ردة فعل في أي مكان من العالم، خاصة أن هذه الحرب جاءت في ظل انقسام سياسي متعمق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بعدة سيطرة حماس على قطاع غزة.

فجوة الشمال والجنوب، أو فجوة قطاع غزة والضفة الغربية أنكرنا وجودها بوعي أو بغير وعي، ولم نرها الى أن حصل الإنقسام المعلن بفعل سيطرة حماس العسكرية على قطاع غزة، وتبعتها سياسات عمقت الفجوة ليشمل الإنقسام كل المؤسسات، وامتد ليشمل السيكولوجية الفلسطينية من الداخل.
قصة صراع الشمال والجنوب لم تقف هنا، ولم تنتهي عند هذا الحد، بل اصبحت جزء من الثقافة السياسية والإدارية الفلسطينية، وتلاقي من يغذيها في هذا الوطن من أصحاب المصلحة الذين تتحقق مصالحهم الفردية والذاتية مع تعمق نعرة لإنقسام. ولعل أخطر ما يجري حالياً في الوطن، ونصر ثانية على وضع رؤسنا في الرمل كي لا نراه هو نعرة الشمال والجنوب في الضفة الغربية، فتجول أي شخص في مدينة رام الله ليوم واحد، واحتكاكه بمن يقطنون بها يكتشف هذه النعرة الآخذة بالإتساع والتعمق يوماً بعد يوم بين ما بات يعرف بأهل الشمال وأهل الجنوب في الضفة الغربية، فكثيراً ما نسمع كلمات تصنف بمضمونها بأنها عنصرية، كأهل الشمال سيطروا على البلد، اهل الشمال يؤخذون كل الوظائف، وغير ذلك من الأوصاف التي يطلقها بعض العامة، وكأن المدينة ليست لكل المواطنين كونها مقر قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية.

ثقافة الشمال والجنوب اتسعت لدرجة ان أحد الأشخاص اشتكى شفويا على هامش حفل افطار تم خلال شهر رمضان الى عطوفة محافظ محافظة رام الله والبيرة من ان احدى الاغاني التي تبثها احدى الاذاعات المحلية في مدينة رام الله فيها كلمات تمس بكل من يتواجدون في مدينة رام الله من غير سكانها الأصليين، بل ان التلفزيون الفلسطيني اشار بشكل كوميدي في احدى عبارته في برنامج وطن على وتر لهذه الظاهرة حين اشار الى ان المدينة أصبحت مليئة بالعمال والحرفيين القادمين من الشمال للعمل في المدينة، وغير ذلك من المؤشرات.

الثقافة العنصرية المبنية على هذه النعرة يجب رفضها والتصدي لها بشكل واضح وصريح، بل يجب وأدها وهي جنين في مهدها، فهذا وطن للجميع، وموارده حق للجميع، وعدالة توزيعها حق وواجب، حق للمواطن وواجب على السلطة. وفي المقابل يجب الإنتباه الى تصرفات وسياسات بعض المسؤولين، وإن كانوا قلة قليلة ولا يشيرون الى نهج، ممن يجدون ضالتهم في تعزيز نعرة الشمال والجنوب كأسلوب لتقوية نفوذهم وسلطتهم، وهنا أذكر بأحد المسؤولين الذي تعرض أداءه الإداري لنقد شديد في وسائل الإعلام من قبل أهالي احدى المحافظات، فبدل أن يفند هذه الإنتقادات أو يقر بها ويعد بمعالجتها، استقوى بإثارة اهل منطقته الذين دعموه بحملة إعلانات في احدى الصحف لتأييده ودعم أدائه في مناطقهم، وكأنه لسان حاله يقول تضليلاً إن ما تعرض له من نقد لا يستهدف أدائه بل يستهدفه كونه من محافظة أخرى، وهذا من رأيي اختباء وراء اثارة نعرات جعرافية لتغطية على القصور في الأداء.
محاولات بعض هؤلاء المسؤولين لتعزيزسلطتهم من خلال اثارة هذه النعرات وتعزيز الجهوية الجغرافية واضحة واخذة بالإزدياد، ولا تقتصر على ما ذكرناه سلفاً بل يتم ذلك في دوائر ومؤسسات أخرى بعضها مؤسسات حيوية للمواطنين، وهذا أمر في غاية الخطورة ويقود للفتنة والنزاع وتدمير المؤسسات التي تغذى فيها مثل هذه النزعة ما لم يتم وأدها في مهدها.

إن وأد هذه النزاعات التي ستقود لا سمح الله للفتنة يتطلب سياسات واجراءات عدة، ومن أعلى المستويات السياسية، ومن أول هذه الإجراءات يجب التحقق من صحة وجود نعرة الشمال والجنوب في بعض المؤسسات، وثانيها وجوب ضمان عدالة توزيع المنافع والموارد بين كل اجزاء الوطن ومواطنيه، وثالثها مراجعة سياسات التعيين في كل المؤسسات العامة والخاصة لضمان عدالة التوظيف وتصويب أي خطأ في حال كان، ورابعها وجوب ملاحقة كل مسؤول يستغل منصبه لاثارة نعرات أو خدمة جهات بعينها على اساس جغرافي دون غيرها، وخامسها وجوب ضمان عدالة تمثيل كل المناطق الجغرافية في مؤسسات الحكم سواء كانت حكومة أو مجلس التشريعي أو المجلس القضائي أو باقي الهيئات العامة وغيرها من المؤسسات وفق معايير واضحة وشاملة تضمين عدم تهميش اي منطقة من المناطق الجغرافية، وسادسها أن تهتم مؤسسات المجتمع المدني برصد أية ظاهرة سلبية من هذا القبيل ووضع صانعي القرار بمخطارها حتى يتم وأدها في مهدها.

إن تحقيق التنمية المستدامة في كافة المناطق وعدالة توزيع المنافع والموارد بين المواطنين هي الآلية التي يمكن من خلالها وأد أي نعرات جغرافية أو سياسية او اجتماعية أو دينية في مهدها وهي جنين، وهي الوسيلة التي نستطيع من خلالها تجنب تكرار ما حصل في قطاع غزة، والقاعدة التي يجب الإنطلاق منها هي المساواة في الحقوق والواجبات، وتعميق مفهوم المواطنة في المجتمع، وخلع مفهوم الجهوية والمناطقية من جذوره، فهذا ما يحدث في المجتمعات الديمقراطية، ويجب أن يحدث لدينا في فلسطين.