ضريح الرئيس، الحقيقة أولاً !

2010-10-03 13:23:00

رايه نيوز: صاحب العمود مريض. ألا يتساءل قارئ: كيف لا يمرض من يملأ عموداً سبعة أيام خلال 15 سنة؟ قلت في نفسي: خلّي رئيس التحرير، ومدير التحرير، يغرفان من "قديمه الجديد".. لولا؟
لولا رسالة SMS من مسؤول في مؤسّسة ياسر عرفات "تشكرني وتقاسمني الحزن" على ذيل مقالة السبت "يا عيب" وهي من ثلاثة أسطر. تقول الرسالة: "الحقيقة أسوأ.. ولكن ما بدنا نفضح حالنا".
إذاً، المعلومة صحيحة، وهي أن الكسوة الحجرية لضريح القائد المؤسّس، والجامع الملحق به، والأرضية المُفْضِيَة للضريح.. والسور أيضاً "مغشوشة" بحجر رديء، قابل للتفتّت مع الزمان.
سأترك "ما بدنا نفضح حالنا" وراء ظهري، وألتقط "الحقيقة أسوأ". فهل أسوأ، في بلد تعدّ حجارته ورخامه مطلوبين لبناء شواهد معمارية في أوروبا وأميركا، أن يبخس النصب التذكاري للرئيس المؤسّس حقه الجمالي والفني؟ بعد ستّ سنوات بدأ التآكل في الحجارة والتفتّت!
اعتدت في العيدين، وغير العيدين، أن أؤدي واجب العرفان والتحية للراقد تحت الضريح. أيضاً، واجب الزيارة لضريح الشاعر صاحب العبارة في الضريح الأوّل: "كان ياسر عرفات أطول فصل في تاريخنا الحديث (..) في كل واحد منّا شيء منه".
أرجو أن لا تصل "الحقيقة أسوأ" إلى خلل هندسي في بناء الضريح، وهندسته جميلة وبسيطة، تأخذ من "المربع العربي" أبهى أشكاله وأبسطها. الجامع ذاته بسيط ومئذنته ذات تصميم هندسي بسيط عن "المئذنة المضلّعة". لا أوفّر في واجب الزيارة الانعطاف قليلاً إلى الحديقة المعشوشبة، حيث بدأت "الأرزة" المهداة من لبنان تنمو. لكن، لي حزني الخاص على ثلاث صنوبرات خلف الضريح جفّت الحياه في عروقها. صحيح "الأشجار تموت واقفة"، لكن ليس أشجاراً تجاور الضريح، الذي جلبوا له زيتونات من القدس. أمس، الجمعة، عرجنا في العودة من أريحا إلى رام اللّه، وسلكنا طريق المُعرّجات. هل تمّت سرقة الواقيات المعدنية العرضانية على جزء من كتف الطريق الذي يطل على منحدرات سحيقة؟
أوّل من أمس، في لقاء مع رئيس الوزراء في مكتبه بقاعة القدس، تولّى الزميل صلاح هنية، توزيع نشرة عن مقاطعة منتوجات المستوطنات، وفيها صورة مُعيبة، حيث قام لصوص بسرقة "أثاث طريق" و"عيون القط" عن شارع افتتحه حديثاً رئيس الوزراء.
قبل شهور تقارب السنة، قام "مجهولون" يعرفهم حسن شراكة، بسرقة أنابيب المياه الموصلة من مشروع "الكرامة 1" إلى "الكرامة 2"، علماً أن كل متر من الأنابيب يكلّف 10 دولارات مضروبة بـ 800 متر.
قبل عشر سنوات، قام متعهد بتزفيت الطريق المؤدي إلى بلدة طمون الشفا- غورية، بتقزيم عرض الطريق من 8م إلى 6م، وصبّ حصمة وإسمنت فاسدين، ما دفع المموّل الألماني إلى طلب تعويض.. لكن عندما قام متعهد بعملية غش في شارع قرب "الأيام":، تحرّكوا سريعاً وألزموا المتعهد بعملية فرش صحيحة.
لدى الناس قصص أخرى، وما عرفته قمت بإثارته، وقد تكون الطرق بعيدة عن رقابة "التخريب" في أثاث الطريق، علماً أن كل سائر على الإسفلت يعرف ماذا تعني "حفر اسطوانية" صغيرة ومبعثرة بعد إنهاء متعهد ما تزفيت طريق. إنها لمراقبة جودة المواصفات، ونسبة الحصمة (الصرار) إلى الإسفلت (الزفت).
لكن، أن تصل الاطماع إلى أول ضريح تبنيه السلطة لمؤسّسها، وقائد المسيرة.. فهذا - واللّه - كثير جداً، ويستوجب محاسبة قضائية ومالية سريعة وعقوبات رادعة.
تغيّر المشهد الداخلي - الفيزيائي للمقاطعة - الأم في رام اللّه. أذكر وقفتي على شرفة الكوريدور مع الرئيس المؤسّس قبل شهرين من وفاته، وسط الخراب التام، وسؤالي: سيدي الرئيس.. هل هذه المقاطعة "قلعة شقيف"؟ وهل هذا "الكوريدور" هو "ممر الماراثون".. مسؤولون "جفلوا" من السؤال الجارح (لو كنت ضابطاً لأكلت صفعة كما قالوا) لكن الرئيس أجاب بهدوء: نعم.. يا حسن.. المربع الأخير، والمتر الأخير.
يوماً ما، قريباً، ستكون ورشة لإزالة الكسوة المتآكلة وتركيب كسوة تصمد أمام الزمان. أرجو أن يتم ذلك بمنهاجية مدروسة، لأنه يشقّ على النفس رؤية الضريح هيكلاً عظمياً.. وعلى المسؤول الكبير، والصديق القديم، في مؤسّسة ياسر عرفات أن يُوازن بين الحقيقة والفضيحة، ويختار الأولى ويُتابع قصة الكسوة الفاسدة إلى آخرها.
أعتذر إن كانت الكتابة محمومة، فالواقعة محمومة والكاتب محموم أيضاً.