من الحرس إلى الجيش.. لا جديد تحت الشمس
في الوقت الذي تتعامل فيه إسرائيل بحكومتها وأكبر أحزاب المعارضة فيها حزب كاديما مع تقرير غولدستون بعجرفة واستعلاء بادعاء أن جيش الدفاع الإسرائيلي أفضل جيش،
أخلاقي في العالم وأن الكرة الأرضية لم تعرف جيشا إنسانيا يتصل "بكل لطف وأدب" مع الأعداء الذين هم نساء وأطفال وأبرياء ليبشرهم بأنه سيدمر البيت فوق رؤوسهم إن لم يخرجوا خلال دقيقة أو اثنتين، في هذا الوقت بالذات يصدر بحث أكاديمي لباحث من جامعة حيفا هو الدكتور "غور آلروئي" حول منظمة الحرس "هشومير" والتي يعتبرها الكثيرون الأب الروحي للهاغاناة ولجيش الدفاع الإسرائيلي بعد قيام الدولة. وفي هذا البحث يحطم الدكتور آلروئي أسطورة كانت متداولة وغذّتها ذكريات أو مذكرات بعض أعضاء الحرس، وهذه الأسطورة تقول بأن أعضاء منظمة الحرس كانوا يعاملون العرب باحترام وإنسانية ورحمة.
الدكتور غور آلروئي يعتمد في بحثه على وثائق من أرشيف "الحرس" في مدينة رحوفوت بالأساس، ووفقا لهذه الوثائق فإن أعضاء منظمة "الحرس" استعملوا القسوة والعنف ضد السكان العرب وتصرفوا كأنهم أسياد الأرض، بينما العرب هم الخدم والعبيد، وقد قاموا بوضع الحواجز للحد من تحركات العرب قرب المستوطنات اليهودية.
في بحثه يتطرق الدكتور آلروئي لأحد أعضاء "الحرس" باسم "أفنير شابال" الذي أسس منظمة إرهابية سماها "أحفاد بنحاس". ومن أهم قواعد هذه المنظمة: الحكم بالإعدام على كل عربي يقبض عليه وهو يسرق من بستان أي فلاح يهودي، لأنه وفقا لعقلية هذه المنظمة الإرهابية لم يسرق العربي من فلاح المستوطنة فقط، بل سرق من جهد وتعب كل الشعب اليهودي.
هذه القاعدة الإرهابية هي نفسها قاعدة اليمين القومي المتطرف في دولة إسرائيل ورأس حربته - المستوطنين في الأراضي المحتلة - الذين يعتدون ليل نهار على زيتون ومحاصيل العرب الفلسطينيين، حيث يتصرفون وكأنهم أصحاب الأرض وأسيادها، وأنهم شعب الله المختار الذي ملّكه رقاب الأغيار.
الباحث يكشف عن رسالة بعث بها أحد المزارعين اليهود باسم طولكوفسكي، لقيادة مستوطنة رحوفوت، يشتكي من تصرفات أعضاء منظمة "الحرس" تجاه العمال العرب، يقول فيها: "واجبي كإنسان أن أحتج بكل قوة على ظواهر معينة تسود في الآونة الأخيرة، هذه التصرفات لا تهدد فقط وزننا وقيمتنا بل أكثر من ذلك، لأن هذه السلوكيات هي جرائم خطيرة بحق الإنسانية. وبالذات نحن اليهود الذين عانينا من التعذيب والملاحقات لآلاف السنين يجب أن لا نستعمل السوط مع الآخرين وخاصة الأبرياء".
هذه الرسالة التي كتبت قبل حوالي مائة سنة في بداية القرن العشرين، تشبه ما قاله القاضي اليهودي غولدستون مؤخرا في رده على منتقديه من إسرائيل حول اتهامه لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، حيث رد عليهم غولدستون فقال: "بالذات لأني يهودي أشعر من واجبي التحقيق في جرائم ترتكب بحق الإنسانية".
الحكومات الإسرائيلية إلى الآن تتعامل بعقلية منظمة الحرس، وعقلية السيد المتعجرف، وترفض الخطاب الإنساني للمزارع طولكوفسكي والقاضي غولدستون.