"زوربا الفلسطيني".. من حصار بيروت إلى حصار غزة!!

2010-10-21 10:30:00
رايه نيوز: فكرت اكثر من مرة بالكتابة حول هذا الموضوع, وكنت عادة اؤجل ذلك تحت مبررات شتى, الوقت غير مناسب فهناك أحداث لها اهمية, او ان الكتابة حول الامر في صفحة (آراء) المهتمة بالشأن السياسي أساسي, هو أمر غير ملائم, او بأعذار أقنع فيها نفسي, هذه المرة مختلفة, لأني شاهدت الفيلم قبل أيام, ربما للمرة الخامسة او السادسة, فيلم بالأبيض والأسود, لكنه ما زال احدى العلامات الفارقة في تاريخ السينما والرواية, انه فيلم زوربا اليوناني, والذي عندما شاهدته للمرة الاولى, لا أدري لماذا شعرت انه يدور حول حكاية فلسطينية, ربما لأنها تدور بأحداثها في جزيرة كريت اليونانية, حيث تقول بعض الرويات التاريخية, ان الفلسطينيين القدماء, الكنعانيين, قد قدموا من هذه الجزيرة, لكن الغالب, ان مجريات الرواية كما شاهدتها في الفيلم, تحكي قصة فلسطينية بامتياز, دون ان يكون لذلك علاقة بالتاريخ او الجغرافيا, وربما لكل ذلك, شعرت ان هذه الرواية في الفيلم, ليست اكثر من قصة فلسطينية.
ولعل أهم ما في هذه الرواية, شدة بساطتها وتصويرها السهل لواقع عادي, لكن مثل هذا الامر لم يتم الا من خلال عباقرة كبار, فالكاتب نيكوس كازانتزاكس, احد اهم الروائيين والساسة في اوروبا في النصف الاول من القرن العشرين, شيوعي سابق, رواياته في معظمها تحولت الى السينما بعد النجاح المدهش لرواية الكسيس زوربا, وهو اسم الرواية المأخوذ عنها فيلم زوربا اليوناني, سياسي عاش في السجن بسبب آرائه اكثر مما عاشه خارجه, أما الممثلون فيقف على رأسهم الممثل المكسيكي الاصل أنتوني كوين, وممثل آخر اقل شهرة, وظل كذلك حتى بعد النجاح المدهش للفيلم وهو آلان ياتس, والممثلة العملاقة ايرين باباس, لكن اهم ما في هذا الفيلم, موسيقاه, للشهير ميكيس ثيودوراكس.. من هذه الاسماء ندرك مدى "عروبة" هؤلاء, بل فلسطينيتهم, جميع هؤلاء كانوا من أشد المناصرين للقضية الفلسطينية, والأكثر قرباً منها بدلالات عديدة, زادت من مصطح التضامن الى المشاركة الفعلية بالنسبة لثيودوراكس الذي يشبه كاتب الرواية من حيث الاشتغال بالسياسة وتعرفه الى السجون, كما النفي, وفي منفاه الاخير بباريس, تعرف من خلال قربه من العرب الى غسان كنفاني وفيروز, وله آراء فيها يكشف من خلالها مدى عمق معرفته بالقضية التي لم يتوان في الوقوف الى جانبها, في العام 1976 زار بيروت, والتقى بالرئيس عرفات ورئيس الحركة الوطنية اللبنانية كمال جنبلاط, اكثر من ذلك, ارتحل الى جنوب لبنان وعاش لمدة شهر مع المقاتلين الفلسطينيين في بنت جبيل وتلة مسعود, كمقاتل يشارك في حراسة قاعدته وليس كسائح او متفرج او صحافي يغطي الحرب, هو الآن في الثمانين لكنه لم يتوان عن أن يفصح عن معارضته للحرب على العراق, بل ويطالب بحل حلف الناتو.

العام 1982, زار ثيودوراكس بيروت المحاصرة, محاولاً الدخول اليها عن طريق منطقة الجبل, لكنه لم ينجح بسبب سيطرة فصائل يمينية على معظم تلك المنطقة في ذلك الوقت, فعقد مؤتمراً صحافياً متصلاً بفنانين اوروبيين لإثارة موضوع الحصار, ونجحت هذه الحملة ووصل الى العاصمة اللبنانية ليقيم حفلاً موسيقياً تضامنياً مع العاصمة الجريحة بيروت.

وما لا يعرفه معظم المثقفين الفلسطينيين, ان ثيودراكس لحن النشيد الوطني الفلسطيني وعزفه مع فرقة سيمفونية في صالة اليونسكو في بيروت بحضور قادة الحركة الوطنية اللبنانية - الفلسطينية العام 1978, وكان من المفترض ان يكتب الشاعر الراحل محمود درويش كلمات النشيد, الا ان الظروف الصحية حالت دون لقائهما في ذلك الوقت وبقي النشيد بلا كلمات!!

الا ان آخر مشاركة لهذا الفنان الكبير في الدفاع عن القضية الفلسطينية كانت قبل ثلاثة أعوام, عندما نظم مهرجاناً للتضامن مع السلطة الوطنية المحاصرة في الضفة الغربية وغزة, شارك فيه عدد من نجوم الفن اليونانيين, وغنوا لخمس ساعات متواصلة أمام 150 ألف مشاهد, وكان هذا المهرجان بوابة لمهرجانات اخرى جالت عموم اليونان للتضامن مع الشعب الفلسطيني.. وثيودوراكس, ككل العباقرة الذين لم يتوقفوا عن المجاهرة بدعم القضية الفلسطينية ودعم الاحتلال, نال شهادة اسرائيلية بامتياز كونه "معادياً للسامية" خاصة بعدما دعاه السفير الاسرائيلي في أثينا للغناء لأطفال اسرائيل كما غنى لأطفال فلسطين, الا انه رفض هذه الدعوة, وقال كلمة شهيرة: "لا أستطيع أن أفهم كيف أن قوماً عانوا من المحارق النازية يمكن أن يفعلوا بالشعب الفلسطيني ما نراه اليوم".

ولم تكن مجرد صدفة ان أنتوني كوين وإيرين باباس, مثلا في النسخ الإنكليزية للمخرج الراحل مصطفى العقاد, الرسالة وعمر المختار أسد الصحراء, ولهما مواقف كانت تسجل لصالح التضامن مع الشعب الفلسطيني, وهما اكثر قرباً من القضايا العربية بشكل عام, وملامحها تشي بالقرب من الملامح العربية, دون ان يكون لذلك أي مغزى لتبرير مناصرتهم للقضية العربية عموماً.

ولن أتحدث عن الفيلم, لسبب بسيط للغاية, وهو أن أحداً لن يفهم أو يستوعب من خلال سطور قليلة "الحكاية الفلسطينية" المتضمنة للرواية السينمائية, مع أني أعتقد ان هذا الفيلم عظيم ليس لهذا السبب, بل للروح الإنسانية الهائلة التي يحملها هذا الفيلم من خلال رواية بالغة البساطة وشخوصه يظهرون كما هم في الواقع البسيط في بيئة أشد بساطة, أما الإيحاءات الفلسطينية, فهي تصور شخصي, أعتقد مع ذلك انها تحمل مقاربة بالغة الدلالة على صعيد اوسع من الرؤية الشخصية لهذه الحكايات المتقاطعة في فيلم بالأسود والأبيض يرسم حكاية ملونة للإنسان العادي.

ولعل ما شجعني على التمرد على ترددي في الكتابة حول الأمر, هو محاولة المقاربة بين كيفية التضامن مع المحاصرين في بيروت والتضامن مع المحاصرين في غزة, ولتذكير كل المتضامنين ان هناك قضايا وطنية كبرى بحاجة الى التضامن معها ومع الشعب الفلسطيني, وباستثناء هؤلاء الذين يحاصرون الاحتلال في بلعين ونعلين من المتضامنين الاجانب, فإن أشكال التضامن الاخرى باتت تحمل وجهاً آخر, وباعتقادي ان التضامن مع الشعب الفلسطيني يجب أن يمنح أولوية ضد الاجراءات الاستيطانية في القدس والضفة الغربية, وعمليات التهويد وهدم المنازل.. لم أر أي شكل من أشكال التضامن إزاء هذه الأخطار, وانحسرت عملية التضامن مع حصار غزة, وهو واجب إنساني وسياسي, ولكن يتوجب أخذ الأولويات في الاعتبار اذا كان هذا التضامن لوجه القضية الفلسطينية حصراً!!.