حين تكون الحروب شريان الحياة!
رايه نيوز: لا يكاد يمر يوم دون ان تنشر الصحف الاسرائيلية، أخباراً او مقالات او تصريحات لمسؤولين أمنيين وعسكريين، بشأن القدرات العسكرية المتنامية لكل من حزب الله وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ نحو ثلاثة وأربعين شهراً.
وبصرف النظر عما اذا كانت المعلومات التي تسوقها الدوائر الأمنية الاسرائيلية، حقيقية أم تنطوي على قدر من المبالغة المقصودة فإن ثمة ما يسترعي الانتباه، حيث تواجه اسرائيل تحديات عسكرية غير مسبوقة لا يمكن تجاهلها انطلاقاً من طبيعة القوى التي يجري الحديث عنها، وبما انها لا تنتمي الى عالم الجيوش الرسمية التي تقاعد معظمها عن العمل في العديد من الدول العربية.
تتحدث اسرائيل عن مضاعفة حزب الله لعدد مقاتليه، من اربعة عشر ألفاً خلال حرب حزيران 2006، الى ثلاثين ألفاً بما في ذلك الاحتياط، وتتحدث عن اعادة بناء الترسانة العسكرية للحزب، وامتلاكه أسلحة تنطوي على تهديد استراتيجي، وعن نحو أربعين ألف صاروخ من انواع وعيارات مختلفة. تستطيع اسرائيل ان تتهم حزب الله ما شاءت من التهم، وأن تحرض على الفتنة في لبنان ما وسع قاموسها التحريضي لكنها تعرف انها تتعامل مع قوة ذات أبعاد شعبية لا ينطبق عليها ما ينطبق على الدول والحكومات الرسمية، ولذلك فإنها تصعد تحريضها وتهديداتها لكل من ايران وسورية، اللتين تتهمهما اسرائيل بالتورط في تقديم الدعم المالي، والتسليحي واللوجستي لحزب الله.
الدول ذاتها، تتهمها اسرائيل بالوقوف وراء دعم وتسليح حركة حماس في قطاع غزة، والتي باتت وفق الادعاءات الاسرائيلية تمتلك قدرات صاروخية يمكن أن تهدد المركز، وتهدد ايضاً حركة الطيران الاسرائيلي، والمدني على وجه الخصوص.
هنا تنشأ معادلة صعبة بل ومعقدة، فالتهديدات التي ينطوي عليها وجود ترسانات حربية متنامية، تتواجد في خاصرة الدولة العبرية، وتمتلك امكانيات الوصول الى معظم اراضي العام 1948، وهي لا تخضع للحسابات الرسمية التي تقيمها الدول والأنظمة على اختلافها، فضلاً عن ان القوى التي تمتلك هذه القدرات، تتسم بطابع ايديولوجي، وسياسي من غير السهل على اسرائيل احتواؤها او التعامل معها.
وسواء أكانت حركة حماس تشكل بديلاً تفاوضياً لمنظمة التحرير الفلسطينية أو بأنها مقتنعة بخيار المقاومة، كبديل للخيار التفاوضي في التعامل مع اسرائيل، فإنها اي اسرائيل ستجد أمامها خصماً مختلفاً لا يمكن التعامل معه بالطريقة ذاتها التي تمت في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومهما قيل في مدى مرونة وبراغماتية حركة حماس او ازاء التحولات الممكن حدوثها بالنسبة لأولويات حزب الله فإن السياسة الاسرائيلية بما هي عليه، لا تتيح اي مجال، لأية تسوية لا مع "حماس" ولا مع غيرها من القوى الفلسطينية.
إذاً لماذا تواصل اسرائيل ضخ المزيد من المعلومات المبالغ بها، ازاء قدرات حزب الله وحركة حماس، ولماذا تواصل تدريب قواتها على مجابهات محتملة مع هذا النوع من القوى، ولماذا تستمر التهديدات من قبل مسؤولين اسرائيليين بشن حروب على جبهتي قطاع غزة ولبنان، وهل يمكن تنفيذ هذه التهديدات؟
في الواقع يمكن التأكيد على ان التخوفات الاسرائيلية حقيقية، وان اسرائيل لا يمكن ان تشعر بالأمن، طالما هي محاطة بالكراهية ومنظومات تسليحية مهما تواضع حجمها وتأثيرها، الا انها تبقي حالة الصراع ساخنة، فضلاً عن انها تهدد مجرى عملية السلام.
اسرائيل غير المرتاحة لتنامي القدرات العسكرية لحزب الله، تبدي ارتياحاً عميقاً ازاء استمرار الانقسام الفلسطيني، وهي لذلك تعيش حالة من التناقض بين حاجتها لاستمرار سيطرة "حماس" على قطاع غزة، وبين حاجتها لنزع أنياب وأظافر حركة حماس.
التناقض ذاته يمتد ليشمل التفكير الاسرائيلي، باستخدام وجود حركة حماس في غزة، كشريك بديل من أجل ممارسة المزيد من الضغظ على منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي يمنع اسرائيل من التفكير في إنهاء سيطرة "حماس" على القطاع كما يدعي بعض السياسيين الاسرائيليين ومنهم زعيمة المعارضة تسيبي ليفني.
علينا ان نعترف بأن التهديدات الاسرائيلية للبنان، وقطاع غزة ليست عبثية، ولا تستهدف تحقيق اغراض تكتيكية، والأرجح انها جزء من حملة علاقات عامة، لتحضير المناخات الدولية والاقليمية للانتقال من مستوى التهديد الى مستوى التنفيذ الفعلي.
ان فرضية الاهتمام من قبل اسرائيل بالملف النووي الإيراني تعزز فرضية شن حروب على قطاع غزة، وجنوب لبنان، فبالاضافة الى كون الملف الايراني ملفاً دولياً ليست اسرائيل من يقرر بشأنه وبشأن كيفية التعامل معه، فإن التعامل مع هذا الملف، عبر الحلول العسكرية يقتضي ابتداء "تنظيف" المحيط القريب.
وبشكل عام فإذا كانت اسرائيل صاحبة مصلحة في بقاء وتعميق حالة الانقسام الفلسطيني، فإنها تريد "حماس" ضعيفة في غزة، و"فتح" ضعيفة في الضفة، أما اذا كان الحديث عن مصالحة فلسطينية أمراً حقيقياً وممكناً، فالأرجح ان تبادر اسرائيل الى توجيه ضربة لهذه المصالحة من خلال الذهاب الى عدوان على القطاع.
بين حاجة اسرائيل لإدامة الانقسام، وتقليص التهديدات العسكرية من قطاع غزة، فإن من المرجح ان يكون العدوان الاسرائيلي محدوداً ولا يشمل هدف انهاء سيطرة "حماس" على القطاع، او اعادة احتلاله كما يرد في بعض التهديدات.
ان اسرائيل لا تثق بالمعاهدات والمواثيق، عندما يتعلق الأمر بأمنها الاستراتيجي، فالجار او الشريك الجيد، هو الجار او الشريك الذي لا يحمل سكيناً، الأمر الذي سيجعل اسرائيل في حالة استنفار وممارسة الحروب، في كل المراحل بما في ذلك في المستقبل، وبصرف النظر عن مآل عملية السلام.