حملة 16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة

2010-11-07 14:39:00

رايه نيوز: في هذا العام تم انتقاء عنوان "هياكل العنف: تحديد التقاطعات بين العسكرة والعنف ضد المرأة"، كموضوع لحملة "16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة"، والتي تبدأ في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني من كل عام وتنتهي في العاشر من كانون الأول.
وتهدف الحملة إلى تسليط الأضواء على مظاهر العنف الواقعة على النساء حول العالم، في الفترة الواقعة بين اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة واليوم الدولي لحقوق الإنسان. ويتضح من اختيار التواريخ الربط الرمزي بين حقوق المرأة والعمل على مساواتها وحفظ كرامتها وبين منظومة حقوق الإنسان، واعتبار المس بحقوق المرأة وممارسة العنف ضدها خروجاً وانتهاكاً لقواعد حقوق الإنسان.
يأتي اختيار عنوان الحملة لهذا العام ليركز النظر على أحد أهم أسباب العنف في أماكن عديدة في العالم، حيث يؤدي العنف العسكري بسبب الاحتلالات والحروب والصراعات المسلحة إلى استعار أشكال العنف الداخلي في المجتمعات التي تعيش في مرمى نيرانه، وإلى أن يستعر العنف الاجتماعي ضد النساء في تلك البلاد ويتضاعف كنتيجة طبيعية لانتشار العنف العام الناجم عن العنف العسكري، والذي ينعكس ويفرَّغ بالمرأة كأحد متنفساته باعتبارها واحدة من الفئات الأضعف في المجتمع. من البديهي أن تركيز البحث والضوء على واقع العنف ضد المرأة في بلدان الصراع المسلح، لا يصادر الحق في تسليط الضوء على جذور العنف الاجتماعي الداخلي ولا يموّه دوافعه، بل يأتي لخدمة هدف تظهير العنف المركب الواقع على المرأة في بلدان الصراع المسلح، ومنها العنف المركب الذي تعيش تحت وطأته المرأة الفلسطينية التي تتعرض لاحتمال أن تزهق حياتها مرتين.
يعتبر مشهد العنف في فلسطين أحد المشاهد التي لا تنتهي بسبب خصوصية الوضع الفلسطيني بوقوعه تحت الاحتلال منذ أكثر من ستين عاماً. ويمارس الاحتلال جميع أشكال العنف بشكل مباشر أو غير مباشر على المرأة بهدف إحكام قبضته على الشعب وأرضه. وقد تسبب الاحتلال في قتل آلاف النساء واعتقالهن وإعاقتهن بشكل فردي وجماعي في داخل الوطن وخارجه في المراحل المختلفة، حيث يمارس الاحتلال قمعه وتنكيله ضد الشعب الفلسطيني في جميع مناطق وجوده وفقاً لاحتياجات ومتطلبات خططه الاحتلالية والأمنية، وينقل جيشه وحروبه حسب المخاطر المحيطة بمشروعه الاحتلالي الإحلالي، لذلك فالخطر والعنف الرئيسان اللذان يحيطان بالمرأة ودورها وحريتها يتمثلان بعنف الاحتلال، والذي يجند البعد الاجتماعي التقليدي ويستفيد منه من أجل قمع المرأة وإبقائها تحت السيطرة. حيث لا يمكن عزل الإجراءات الأمنية التي يبتدعها الاحتلال والمتمثلة بعسكرة الطرق والحواجز لإعاقة التنقل إلى العمل أو التعليم عن استهداف الاحتلال تجهيل المجتمع بشكل عام، وتجهيل نصفه من الفتيات الشابات بشكل خاص؛ بهدف هلاك المجتمع على الصعيد الفكري والسياسي والاقتصادي. فالمجتمع الجاهل يسهل قمعه والسيطرة عليه؛ ما يعيق تنميته واستقلاله.
وفي الوجه الآخر لعملة العنف، لا يمكن اعتبار الاحتلال المنتج الرئيس للعنف وإغفال الجوانب الأخرى ومصادر العنف الأخرى التي تعمل ضد المرأة. فالواقع الاجتماعي الذي تحركه منظومة من السلطات العشائرية والعقائدية إلى جانب سلة من الموروثات والعادات والتقاليد، تؤثر على المرأة بشكل معقد وعنيف.
ما الجديد في زوايا العنف بعد عشرات السنين من تعاقب تفريغ محتوى الساعة الرملية؟ ما هي نقطة الضعف المسببة لإعادة إنتاج دورة العنف والذي تبدو مؤشراته في تصاعد؟ ما الحلقة المفقودة في مسلسل العنف؟ بديهي أن المعالجات التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني على الصعيد الرسمي وغير الرسمي تساهم في حصار الظاهرة لكنها غير قادرة على معالجتها، وذلك بسبب استمرار تمسك الضحايا والمجتمع بأهداب الصمت عن الظاهرة وعلى رأسها العنف المختبئ في المنازل، والذي تشير الإحصاءات إلى حظوته بنصيب الأسد من حصص العنف.
يكتسب الصمت في الوعي العربي معنى جمالياً وفضيلةً، فالسكوت في الحكمة العربية مصنوع من ذهب، بينما صنع الكلام من فضة. والصمت أجمل في حالة صمت المرأة، حيث يكسبها الكمال والسحر والغموض والاحترام، ويرتبط كلام المرأة في الثقافة التقليدية بالثرثرة، والمرأة المفضلة هي التي لها فم ليأكل لا ليتكلم...
لذلك فإن أحد أهم المعالجات للعنف وخاصة المنزلي الأكثر اتساعاً، يتمثل أولاً بالاعتراف المجتمعي بوجوده على الرغم من حساسيته نظراً للأدوار المتنوعة التي تؤديها الأسرة بما يجعل جدار الصمت يطبق طويلاً حولها. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار إنكار وجود العنف الأسري يعيق عملية اتخاذ التدابير لمنعه واتقائه؛ ويجعل أفرادها يتعرضون للانتهاكات دون شكوى أو اعتراض، ولا يمكن من التعامل مع أطرافه وعلى وجه الخصوص الضحايا والجناة بآليات التوعية والتأهيل والإصلاح وتبيان مخاطر العنف الأسري على تماسك الأسرة واستقرارها.
إن اختيار عنوان حملة "16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة" يتناسب مع واقع وبرنامج المرأة الفلسطينية. فالربط بين هياكل العنف الاحتلالي والاجتماعي يجد أجوبته الفلسطينية من خلال تحليل أثر بيئة القمع السياسي والوطني على بناء الشخصية الفلسطينية، دون الوقوع في فلسفة التبرير وكأنه العامل الوحيد في بناء عوامل العنف، أو تصويره كأحد أشكال ردود الفعل على عنف الاحتلال.
إن الربط بين العنف الاجتماعي والاحتلالي يمكن المرأة الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة من عرض المشهد بأبعاده الحقيقية، كمجتمع يعيش في دوائر مغلقة من العنف، وأن القضاء عليه يشترط أن يسبقه إخراج الاحتلال من الأرض كأحد العوامل الأساسية في تغذية وتبرير أشكال أخرى من العنف الداخلي ومنها العنف الاجتماعي.
a