قتل التراث لا تبرره توسعة الشوارع
رايه نيوز: أقدمت آليات بلدية الخليل مطلع هذا الأسبوع على إعدام آخر ما تبقى من أشجار حرجية في قلب المدينة, والتي يزيد عمرها عن المئة عام, والتي تزينت بها المدينة طيلة القرن الماضي, بدعوى مطالبة بعض المجاورين بتوسعة شارع طلعة العمارة القديم, الذي تقع فيه تلك الأشجار, وهي ليست المرة الأولى التي تقوم بها آليات البلدية بإعدام الأشجار التاريخية في المدينة, فقبل نحو عامين اقتلعت الأشجار التي تقع في شارع عين ساره, من اجل إقامة استاد رياضي دولي يقع في قلب المدينة, ويخلق أزمات مرورية هائلة في محيطه عند إقامة أي مباراة, بدعوى توسعة الشارع, والذي تضاعف معدل تدفق المركبات فيه عددا من المرات نتيجة إقامة الاستاد, وليس تطور الشارع الطبيعي, مع العلم أن إقامة المشاريع الكبرى من وجهة نظر المخططين الاستراتيجيين للمدن يجب أن تكون بعيدة عن مراكز المدن وتجمعاتها التجارية.
ولاشك أن توسعة الشوارع هي هدف عام كبير لكل أهل المدينة وهيئاتها, إلا أن المحافظة على تراث المدينة وتاريخها وخضرتها وبيئتها هو أيضا مسؤولية جماعية وفردية, لا تتحكم بها مخططات توسعة الشوارع, أو إقامة المشاريع التجارية على جنباتها, فالأشجار الحرجيه التي أعدمت لا يمكن أن يغني عنها أي نوع من أشجار الزينة سريعة النمو, والمستوردة من بيئات أخرى, لان ما اقتلع من أشجار يمثل قيمة أخرى غير الزينة, فتلك الأشجار شهدت على تاريخ المدينة منذ بداية القرن العشرين, حيث كانت تتوزع على أطراف الشوارع بشكل منتظم وجميل على امتدادها من مدخل المدينة وفي قلبها, عداك عن أن اختيارها لم يكن عشوائيا من قبل من زرعوها, فهي أشجار بلوط وقيقب وسرو لا تتلاءم إلا مع بيئة بلاد الشام بفصولها الأربعة, ومناخها المعتدل, ولا يمكن أن يعتدي عليها احد, لأنها أشجار غير مثمره، والهدف الأساسي منها كان ترطيب جو المدينة, وتزيينها وتحديد شوارعها للحفاظ عليها من التعديات الفردية, وكذلك فالحفاظ عليها كان مسؤولية الحكومة أو الإدارة التي تسيطر على البلاد, وهي وقف لعامة أهل المدينة ولا يمتلكها احد منهم.
وبالعودة إلى سبب إعدام تلك الأشجار المسكينة, فلا يوجد مبرر ولا منطق لمطالبة بعض المجاورين بإزالتها, ولا يبرر إعدامها بتوسعة الشارع, وكان من الممكن أن توجد حلول أخرى غير إعدام الأشجار, كجعل الشارع باتجاه واحد مثلاً أو تخطيطه باللون الأحمر لمنع المركبات من الوقوف فيه, وذلك بالتنسيق مع شرطة المرور, ومعلوم أن قرار توسعة الشوارع لا يتدخل فيه اي احد من المجاورين, ولا تؤثر رغباتهم أو مصالحهم في توسعة الشوارع أو إغلاقها, أو جعلها بمسرب واحد, أو حتى إغلاقها إذا اقتضت الحاجة, والاستجابة لمطالب المجاورين أو عدم الاستجابة لها شأن تحكمه دراسة أبعاد وتداعيات تلك المطالب وتأثيرها على عموم أهل المدينة وحاجاتهم ومتطلباتهم.
وإذا كانت توسعة ذلك الشارع لازمة إلى هذا الحد, فلماذا تمت عملية تأهيله قبل عام واحد فقط؟
ولماذا لم يتم إحالة الأمر إلى الجهات المعنية قبل الإقدام على إعدام الأشجار, فمن المعلوم أن البلدية, على سبيل المثال لا الحصر, لا تصدر رخص البناء في بعض المناطق في المدينة إلا بالعودة إلى دائرة الآثار عندما يكون الموقع اثريا.
ولماذا في هذه المرة تمت الاستجابة الفورية لمطالب بعض المجاورين؟ وهل انتهت مطالبات أهل المدينة من البلدية حتى تتم الاستجابة لإعدام أشجار تعتبر موئلا لآلاف العصافير, ويستظل بظلها كل المارة في ذلك الشارع, وتعتبر تراثاً اخضراً في مدينة غزتها المجمعات التجارية والمحلات والدكاكين التي أصبحت سمة تميزها عن أي مدينة أخرى في فلسطين؟
يكفي أن يتجول احدنا في شوارع المدينة ليشاهد عشرات أعمدة الكهرباء, التي تحتل شوارع المدينة وأرصفتها, والتي أصبحت معلماً من معالم شوارعنا, لا بل أصبحت تشكل جزءاً فيها، ومصيدة تودي بحياة عشرات أبناء المدينة نتيجة لحوادث المرور التي تتسبب فيها.
ولا يخفى على احد حاجة المدينة لجسور مشاة في الشوارع الرئيسية للحفاظ على حياة مرتادي الطريق ومستخدميها, خاصة من الأطفال وطلبة المدارس الأبرياء الذين يقضون نتيجة عدم وجود تلك الجسور, والتي بحسب الادعاء لا سبيل لإ قامتها بسبب ضيق الشوارع واحتلال المحلات التجارية المرخصة من قبل البلدية للارصفه وحواشي الطرق.
هذه المطالبات هي غيض من فيض ما تحمله صدور أهالي المدينة, الذين يتوقون ليوم تضخ فيه دماء جديدة إلى مجلسها البلدي, الذي انتخب عام 1976, والذي نكن له الاحترام على قدرته على الاستمرار لهذه الفترة, والذي نؤمن بأنه أعطى أفضل ما عنده للمدينة على امتداد الخمسة وثلاثين عاما الأخيرة.
ولا يخفى على احد حاجة المدينة اليوم إلى تخطيط عصري, ورؤية متطورة, تستطيع أن تربط الماضي بالحاضر, وتحافظ على تاريخ المدينة ومستقبلها, بإنسانها وأشجارها ومبانيها التاريخية وأزقتها وشوارعها الضيقة, التي تميزها وتحكي تاريخها, وتخلق حلولاً أبداعية للتعايش مع متناقضات قد يرى البعض أن أفضل طريقة للتعامل معها هو إزالتها واستبدالها.