رسالة إلى الأسرى

2010-12-01 08:44:00

رايه نيوز: لم يكن الأسرى والمعتقلون بحاجة الى دليل ليعرفوا مكانتهم في المجتمع الفلسطيني، ومدى اعتزاز الشعب بهم وتقديره الكبير لدورهم في الكفاح الوطني، فهذه مسألة بديهية نستطيع قراءتها كل يوم مع كل أم تذهب لزيارة ابنها المعتقل، ولهفة الأهل والأقارب والجيران لمعرفة أخبار الأسرى والمعتقلين والاطمئنان عليهم، ومع كل خبر ينشر حول الأسرى وما يعانونه، ومع كل بارقة أمل تطل بالحديث عن المفاوضات السياسية أو عملية تبادل الأسرى وكيف يرى فيها المواطنون مقدمة لتحرير الأسرى أو قسم منهم على الأقل. وهناك آلاف الشواهد التي تؤكد حضور الأسرى في المشهد الوطني والانساني الفلسطيني بشكل متجدد ودافئ كينبوع لا ينضب أبداً.
ولكن مبادرة "اكتب رسالة إلى الأسرى" عادت لتؤكد هذه الحقيقة الساطعة من جديد، حيث تجند عشرات الآلاف من أبناء شعبنا ليكتبوا سطوراً كثيرة معبرة عن إجلالهم للأسرى الذين كانوا دائماً وأبداً يحتلون الصدارة في مقدمة المدافعين عن الوطن والقضية ولا يتقدمهم سوى الشهداء الذين جادوا بأرواحهم على مذبح حرية وكرامة الشعب المعذب الخاضع لأسوأ وأقدم احتلال قائم منذ القرن الماضي، وحتى الذين لم يكتبوا لسبب أو لآخر فهم أيضاً يكنون نفس المشاعر ويحملون التقدير ذاته للأسرى. فقضية الأسرى هي بامتياز قضية إجماع وطني مثل كل قضايا الوطن الجوهرية.
رسالة الشعب للأسرى هي رسالة حب ووفاء وتقدير لمن آثروا أن يقدموا كل شيء في سبيل الوطن والشعب وقضى جلّهم زهرة شبابهم وربيع أعمارهم في سجون الاحتلال، وهي ايضاً رسالة تحمل الكثير من المعاني البليغة التي تنطوي على وصايا وأمان يرغب الناس في ايصالها للأسرى. فإذا كان الحب يصل عبر الأثير عبر كل نفس او نسمة او صورة او مشاهدة او اي شكل آخر من اشكال التعبير المباشرة وغير المباشرة، ينبغي ايضاً ان تصل الوصايا التي تحث على الوحدة الوطنية في مواجهة السجن واجراءات الاحتلال القمعية، وتحث على ترتيب الاولويات في السجون والمعتقلات بالاهتمام اولاً بتعزيز مقومات الصمود والقدرة على صد السياسات التي تستهدف روح الأسير ومعنوياته وقدرته على الصبر والجلد في ظروف لا تستقيم ابداً مع مبادئ حقوق الإنسان، وحقوق الأسرى والمعتقلين التي تكفلها المواثيق والأعراف الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف من العام 1949.
يريد الشعب ان يقول للأسرى: اهتموا بشؤونكم وواجهوا بإرادتكم الموحدة وقدرتكم الهائلة المستمدة من إيمانكم بعدالة قضيتكم ومن دعم شعبكم لكم ووقوفه دوماً الى جانبكم في كل الأوقات وفي كل الظروف ومهما اشتدت هجمة الاحتلال وازدادت وتائر قمعه وعدوانه. والأسرى أحوج من غيرهم الى التمسك بالوحدة، ليس فقط لأن مثل هذا يمثل متطلباً وطنياً للمعركة مع الاحتلال والنصر على الجلاد، بل وكذلك لأن ظروف الأسر لا تتيح مجالاً كبيراً للتخلي عن أوراق القوة أو تجاهل بعضها. وطبيعة المعركة وهي دائمة ومستمرة منذ اليوم الاول وحتى التحرر لا تحتمل الاختلاف في إطار.
ربما يختلف الأسرى حول الموقف السياسي من هذه القضية او تلك، وهذا طبيعي لأنهم ينتمون الى فصائل وأحزاب مختلفة توجد بينها خلافات وتباينات حول الكثير من المسائل، ولكن هذا الاختلاف لا ينبغي له أن ينعكس على وحدة الأسرى في مواجهة السجان. فالفرقة هنا تعني خسارة للجميع، وتعني توفير عوامل انتصار لسلطات السجون وإداراتها القمعية.
التجارب المريرة والطويلة والمتكررة التي عاشها الأسرى طوال مراحل الأسر أثبتت بما لا يسمح بالشك أن الوحدة على برنامج المواجهة والصمود هي فقط التي تضمن الحفاظ على الذات وتضمن الصمود والانتصار وهزيمة كل المخططات التي تستهدف الأسرى والتي لا تتوقف مصلحة السجون في اسرائيل عن إعدادها ومحاولة تنفيذها كلما تسنح الفرصة بذلك.
لا شك أن إدارة السجون الإسرائيلية استفادت من حالة الانقسام التي تعيشها الساحة الفلسطينية بعد انقلاب "حماس" على السلطة الوطنية. وقد عمدت الى تكريسها في السجون من خلال عزل أسرى "حماس" عن باقي أسرى الفصائل بحجة الخشية من الاحتكاك، وحاولت ولا تزال تطبيق اجراءات تعسفية ضد الأسرى بما في ذلك سن قوانين تحرم الأسرى من حقوقهم الأساسية. ولكن الأسرى على درجة من الوعي التي تتيح لهم ادراك مخططات الإدارات القمعية لمصلحة السجون، وهم قادرون على التصدي لهذه المخططات وإحباطها.
ومن البديهي أن أحد أهم سبل المواجهة هو التمسك بالوحدة الوطنية والتعالي على الخلافات والانقسامات القائمة خارج الأسوار. وكل أسير عندما يتحرر يستطيع أن يختار ما يريد، ولكن طالما هو في السجن والمعتقل فمعركته مع أخيه الأسير هي واحدة وهي معركة الوطن الواحد والنضال الواحد والإنسان والمناضل الواحد.
ولا يجوز بأي حال أن تؤثر الخلافات الموجودة في الخارج وهي أساساً على السلطة وامتيازاتها على وحدة معركة الأسرى، فهؤلاء لا يوجد لديهم ترف ومكاسب ومغانم السلطة، بل هم في وضع هم أحوج فيه الى زيارة الأهل واستنشاق عبير الحرية مع كل إنجاز مهما بدا صغيراً يحققونه بنضالاتهم ومعانياتهم الهائلة. فليقبضوا على وحدتهم كما يقبضون على الجمر وتصقلهم تجارب النضال.