هل هي فلسطين التي نعرفها؟!

2010-12-01 08:46:00

رايه نيوز: فيروز تغني عن الرجوع إلى الحي، وأنا أحلم بأن نرجع يوماً إلى فلسطين التي حلمنا بها. في معارك بيروت المتعددة أغلق الكثيرون أعينهم للمرة الأخيرة على هواها. وياما تخلق الدفء في أجساد باردة وسط غبار المنافي بسبب ارتباطها الميتافيزيقي بوطن بعيد، في كل مكان من العالم، وأولها سجون الاحتلال، يفيق الناس، وينامون على ذكراها الحية التي لا تموت. فلسطين! ومن غيرها؟
ومع هذا أتساءل: ِلمَ يكون هنالك بيننا من يريد أن يزحزحها عن الخارطة، من يفككها مثل قطع "البازل"، ويختار منها ما يريد، ويرمي ما لا يعجبه؟! أتعجب من مرور زمن على غياب الأحلام بحيث صارت كل جماعة فيها تدعي أنها لها شخصياً، فكأنها ميراث عائلي حصري. أتراهم يفلحون في خنقها وجرّها عن السكة الأولى حتى لو انحدروا منها؟ أتساءل وأنا أسمع أن هنالك من يهدد بالتسبب بالأذى والويل والثبور لصحافية شابة في غزة. أتعجب وأنا أرى "الجماعة" ذاتها يسحبون استاذاً جامعياً هناك كي يجبروه أن يوقع- تحت ضغط الحديد والنار- على إقرار بعدم الكتابة. أهذه فلسطين التي نعرفها، والتي خاطرت أجيال في سبيلها، ودفعت النفس والنفيس؟!
هي ليست أسئلة كبرى تخص، فقط، أفراداً معينين أو مشاركين في نظام مغلق اختار العزلة وعدم الانضمام إلى مجموعة النظام السياسي الفلسطيني، واختار أن يظل منفرداً على نفسه، بما في هذا من انعكاس على طاقات أهل بلده، ووشمهم جميعاً بالقمع والتخويف.
هذه أسئلة متعلقة بمجموعة من القيم التي انحدرت إلى حياتنا، فارتشفناها دون تفكير وكأنها بعض من سموم الاحتلال مشبعة بانغلاق الذهن والعقل. ودون أن ننتقد ما تكرس لدينا من ميل للإحساس بالعظمة، وانسجام مع دور الضحية لا يقبل به سوى من فقد الذاكرة. فكأنه لم يعد أحد يمتلك الوقت، أو العقلانية الكافية لتنظيم وبعث القيم البسيطة التي تنظم علاقة الناس وخصوصاً الأطفال بالمكان. جميعها ضاعت، أو أنها في سبيلها للضياع. فالإحساس بالمكان وأهمية احترامه يماثل احترام الناس وآراءهم المتنوعة وقدراتهم المختلفة على التعبير.
كان ذلك جزءاً من حياة فلسطينية متكاملة، لم يكن الشخص فيها يتورع عن تقبيل يد العجوز مبالغة في التحنان، أو تنظيف الحارة التي يعيش فيها بشكل دائم، وليس عبر ورشات تطوعية مدفوعة الثمن عبر المنظمات غير الحكومية، أو الفخر بزراعة أشجار تظلل الحي والبيت والمدرسة، وتبسط اخضرارها عليه. وحين يتباهى بعض أولاد المدارس بتلويث الحيطان العامة بالأصبغة التي لا تكلف سوى رش سوائل من أنبوب تلوين ثابت دون اعتبارٍ أو احترامٍ لنظافة الحي والشارع والمكان بأجمعه، أسأل نفسي: أهؤلاء حقاً هم أحفاد وأبناء مناضلون كرسوا عمرهم للقيم الوطنية الخالصة؟!.
الآن، كل شيء صار محسوباً، كل فرد صار متكاسلاً لا مبالياً تحت حجة الاحتلال، وهنالك من عبّروا عن جبروت القمع بتطلعات ترمي إلى تقليده وتحقيقه عبر قمع مواطني بلدهم وجرهم إلى التعذيب والسجون، لأنهم لا يقبلون بدور العبودية التي يقررها الرعب عليهم.
عندما أرى أُمّاً تمشي على رصيفٍ عالٍ وهي تمسك بيد طفلها الذي لا يزيد عمره على السنوات الثلاث تاركة إياه ليمشي على انخفاض الإسفلت دون عناية بأن تأتي سيارة ما وتجرفه في طريقها، بينما الأم المضطهدة غالباً في الدار سادرة في تخيل تضحياتها باسم الأمومة المقدسة، وهي لا تنتبه إلى ولدها وموقعه قرب السيارات، فيما هي تحمي نفسها (وللعلم، فهو منظر مألوف للغاية ومتكرر إلى درجة تثير الاستفزاز)، لا أصدق أني في فلسطين، لأن أمهاتها الأصيلات كنّ مختلفات بحرصهن وعنايتهن بالأشياء كلها، حتى ما عنى علاقة الطفل بالمكان وطريقة التعامل مع أخطاره وتجلياته الطبيعية. وعندما أرى طلاب المدارس وهم يقطعون الشوارع بإدارة الظهر لكل سيارة عابرة لا يتكلفون النظر إليها لأن مسألة سلامتهم ليست من اختصاصهم، بل هي غرامة على السائق الذي يقود سيارة بحيث يحق معاقبته على سياقته لها لأنها مركبة آلية تنافس السيقان في عبور المكان، أحس حينها أن هنالك حلقة قمع جهنمية تربط بين الجميع، وتدور بينهم، حاملة ضياع القيم الحقيقية التي نشأنا عليها. أشياء كثيرة تجعلني أراها وأنا أتعجب، وأزاول الشك في أنني أعيش فعلاً في فلسطين. فقد يكون إهمالها والقفز عنها وتركها لإحسان ورشات "الإن- جي - أو" أو التصفيق لقوافل الرحمة والإحسان هي ما تنتج كل هذه الترهات، وأولها أخصائيون في تعذيب أبناء جلدتهم ممن لا يتورعون عن تهديد صحافية رائعة ونشيطة في الجزء الآخر من الوطن لم تملك فعلاً غير حبها لبلدها.