"ويكيليكس" أهدى السلطة قرنفلاً أبيض!
رايه نيوز: لو كنت رئيس تحرير هذه الجريدة، لغيّرت مراسلينا في غزة، بخاصة منهم الذين يجأرون بالشكوى: من الشح ومن الوفرة معاً. صورة واقع غزة رأيناها فيلماً وثائقياً، بالأمس، في رام الله ـ سينماتيك القصبة بعنوان "عايشين" للمخرج نيكولاس بالعربية والإنكليزية: قدرة مدهشة على مغالبة صعاب الحياة، كما أظهرها، أيضاً، فلسطينيو الضفة في عبورهم حواجز الجيش الإسرائيلي الغاشمة أعوام 2000ـ2004.
في البال سؤال قديم، طرحه صحافي إسرائيلي وفحواه: هل نتحمل من الفلسطينيين (وغيرهم) ما تحملوا هم منا. سنظل في زمن الأسئلة الكبيرة عن المصير والأجوبة السياسية الصغيرة المراوغة عن الحل والسلام.
أولى بواكير موسم التوت الأرضي (الفراولة ـ الفريز) وصلت، هذا الأسبوع، أسواق رام الله.. وهي، أغلب الظن، من مزارع إسرائيل.. وإلى أن تسمح هذه بصادرات ـ واردات بين شطري السلطة الوطنية: الفراولة من غزة إلى الضفة؛ والزيت والزيتون من الضفة إلى غزة.. وطبعاً حصمة (صرار) الضفة جيد المواصفات.
مسائل كهذه، وحواشيها، بحثها، في القدس، وزير الاقتصاد الفلسطيني حسن أبو لبدة مع وزير التجارة الإسرائيلي بنيامين (فؤاد) اليعازر. المفاوضات السياسية متوقفة، واللقاءات في الشؤون العملية مستمرة.
بفضل مساع دبلوماسية حثيثة هولندية، قد يتمكن فلاّحو الزهور (القرنفل) والتوت الأرضي من التصدير للأسواق الأوروبية.. ليس بالحجم الذي كان قبل الانتفاضة الثانية، لكن بمعدل أكبر من السنوات السابقة، وبخاصة أن الصقيع يغمر أوروبا قبل أسابيع من أعياد الميلاد، بينما بلادنا تتمتع بصيف طويل (ووخيم العواقب).. وغزة تتمتع بتربة رملية جد ملائمة لمثل هذه المحاصيل التصديرية (وغيرها كالبندورة والبامية والملوخية.. إلخ) رغم شحة المياه في غزة.
بالطبع، لا تنتظر السلطة جزاءً ولا شكوراً من حكومة "الأمر الواقع" الغزية، في مساعيها لتخفيف الحصار، وعودة الحرس الرئاسي إلى معابر غزة مع إسرائيل.. وأيضاً في معبر رفح.. وعلى العكس، فإن التجني وسوء الظن (والكذب) سمة تصريحات المسؤولين في غزة عن سلطة رام الله.
إذا سقط جزء من "الكذبة" تساقطت الكذبات الأخرى، مثل اتهام سلطة غزة لسلطة رام الله بمظاهرة العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع، الأمر الذي نفته السلطة بشدة.. وأخيراً، تكشف وثائق "ويكيليكس" أن السلطة (وحكومة مصر أيضاً) عارضتا العدوان قبل وقوعه.
لعلّ السلطة هذه، المدانة دون مبرّر، هي الوحيدة التي لها وجه واحد، ولا تتحدث بلغتين ولسانين، كما تكشف عن قادة دول عربية كبيرة، بالنسبة لتحريض أميركا على ضرب إيران.. وأيضاً "بلاهة" السياسة الخارجية السورية، وقلة حساباتها واطلاعها على خارطة الواقع السياسي.
إيران وسورية و"حماس"، هم كبراء انتقاد السلطة، دون وجه حق، علماً أن وثائق ويكيليكس، كما اطلع عليها كبير المفاوضين صائب عريقات، فإن الرئيس محمود عباس هو الوحيد الذي أبلغ الرئيس أوباما بأن إيران لا تشكل خطراً علينا "ولكن قلنا لإيران إن فلسطين أهم من فتح وحماس معاً".
يتحدثون، بعد 40 ألف فضيحة، كما عنون الزميل مهند عبد الحميد مقالته عن الوثائق المتسرّبة، أن مصداقية الولايات المتحدة تلقت ضربة شديدة ثالثة. هذا هو الوقت الفلسطيني الملائم لاغتنام ارتباك السياسة الخارجية الأميركية بطرح مسألة الاعتراف بترسيم حدود فلسطين على المحافل الدولية (مجلس الأمن، والجمعية العامة).. وقد سبق للسلطة أن أعطت أذناً صمّاء للنصائح الأميركية بعدم محاورة حركة فتح لحركة حماس، وعدم الذهاب إلى جولة مفاوضات أخرى في دمشق.
الرئيس عباس عقب على فضائح ويكيليكس بالقول: لا يوجد لدينا ما نخشاه، ولا توجد علينا ملاحظة واحدة. ليعرف العالم أن ما نقوله لأميركا وإسرائيل نقوله للجنة المركزية (حركة فتح).. وبالتالي، ما فوق الطاولة هو ذاته ما تحت الطاولة.
يثرثر "بيبي" عن "السلام الاقتصادي" في الوقت الذي تعوق فيه إسرائيل بروتوكول باريس لعام 1996 بدخول السلع الفلسطينية الأسواق الإسرائيلية: "لن نستمر إلى الأبد بقبول تطبيق إسرائيل اتفاقية باريس من جانب واحد".
ربما خلطنا الاقتصاد بالسياسة، وهذا وتلك بالدبلوماسية، ولكنه خلط مشروع وضروري لأن الاقتصاد محرك السياسات في العالم، مع أن لدينا محركاً آخر هو إنهاء الاحتلال.
موسم الفراولة والقرنفل سوف يستمر من كانون الأول حتى أيار المقبل.. على أمل أن يصل قرنفل غزة إلى أسواق الضفة، ونرى عربات البضائع محملة بفراولة غزة اللذيذة، وليست تلك الإسرائيلية (بلا طعم).. وهل ننتظر اعتذاراً شجاعاً من "حماس" بأن اتهاماتها للسلطة بالتواطؤ مع إسرائيل على حرب غزة غير صحيحة؟!
ملاحظة:
يبدو أن منتوجات المستوطنات المختومة انتقلت من السوبر ماركت إلى عربات اليد في نواحي الشوارع.. وجميعها تحمل كتابات عبرية، وربما فات أجل استخدامها.