إستراتيجية التشغيل عنوان تحدٍ وتنمية
راية نيوز: أطلقت قبل أيام الإستراتيجية الوطنية للتشغيل في فلسطين، لتشكل جزءاً أساسياً متمماً للإستراتيجية القطاعية لقطاع العمل التي تمثل بحد ذاتها مكوناً أساسياً أصيلاً ومحورياً للاستراتيجية الوطنية العامة للسلطة، ما سيشكل نقطة تحول نوعي في عالم العمل بفلسطين وقصة نجاح حقيقية واعدة ومبشرة تخطها وزارة العمل بالتعاون المتكامل عبر الشراكة الثلاثية المسيّجة بالحوار الاجتماعي المسؤول. لكن إطلاق هذه الإستراتيجية جاء ليشكل اليوم صافرة البداية نحو العمل الجاد الذي سيضع الخطط والبرامج التنفيذية القادرة على تعزيز تنمية الاقتصاد والشراكة المجتمعية لتمكين سوق العمل الفلسطينية من تعزيز بناه وهيكلياته ورفع كفاءته وقدراته الاستيعابية في خلق فرص العمل اللازمة لصد آفتي الفقر والبطالة نحو الرفاه، ما يؤشر لنا بوضوح تام على أن الخطوات الآنية الملحة الواجب أن نتحرك بها بكامل قوتنا هي أن نعمل اليوم لا غداً على تسويق وترويج هذه الاستراتيجية والتفاعل مع كل الأطراف المعنية دون استثناء، في سبيل رسم المشاريع والنشاطات الملائمة التي يمكن أن تستجيب لتحقيق الأهداف الوطنية النبيلة لهذه الاستراتيجية.
فأمام الارتفاع الهائل في نسبة البطالة وتدني مستويات الأجور، إلى جانب خط الفقر المتدني بمستويات خطيرة، لا سيما مع وتائر النمو السكاني، الأمر الذي سيقضي بأن يكون هناك حاجة إلى حوالي 270 ألف فرصة عمل للداخلين الجدد إلى سوق العمل فقط خلال الفترة ما بين 2010ـ2015، آخذين في الاعتبار أن سوق العمل الفلسطينية يدخلها سنوياً أكثر من 45 ألف طالب جديد لفرص العمل، وهذا بحد ذاته يؤشر إلى حجم العبء الإضافي السنوي الذي يلقى على كاهل الاقتصاد الوطني وسوق العمل. بل إن في هذا الوضع ما يؤكد على أهمية ما سعت إليه الاستراتيجية الوطنية للتشغيل وتسعى إليه وزارة العمل من رسم السياسات والتوجهات، وانتهاج البرامج التي ستساعد على رفع كفاءة القوى العاملة الفلسطينية والموارد البشرية عموماً، لتصبح قادرة على العمل والمنافسة من خلال تنمية مهاراتها المرتبطة أصلاً وقبل كل شيء بتنمية الاقتصاد الوطني، وهو الأمر الذي حدا بوزارة العمل عبر خططها القطاعية والاستراتيجية سواء في التشغيل أو التدريب المهني أو قطاع العمل عموماً لتكريس مبدأ تعزيز ثقافة الشراكة الريادية ورفع الإنتاجية للقطاع الخاص والدعوة الصريحة والجادة لتعزيز الحوار الاجتماعي الثلاثي والمتعدد بكل أشكاله مع كل أصحاب الشأن ليتوج هذا الحوار في النهاية بمؤتمر وطني شامل لحوار الاجتماعي يتمخض عنه ولادة المجلس الاقتصادي الاجتماعي الفلسطيني الذي حانت ساعة الصفر للتهيئة والتحضير من أجل الوصول إليه وإنجازه كضرورة لا مجرد خيار.
لم تكن الاستراتيجية الوطنية للتشغيل مقطوعة الجذور، ولا معزولة عن الخطط والتوجهات الوطنية والرؤى الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة على نحو تكاملي تنموي شامل لعموم المجتمع الفلسطيني، ما يجعلها تتواءم وتستجيب لخطة التنمية والاصلاح 2011ـ2013، وتعبر عن تطلعات وزارة العمل في تعزيز دورها وتطوير تدخلاتها الفاعلة في قيادة قطاع العمل، وتعزيز ممكّنات سوق العمل، ورفع قدراتها التنظيمية والهيكلية المتلائمة، جنباً إلى جنب مع ما تبذله الحكومة من محاولات جادة لإحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتناغم مع قدرات السوق وتعززها.
إن هذه الاستراتيجية ليست استراتيجية خاصة بالحكومة ووزارة العمل وحسب، بل تقع في الصدارة من واجبات كل الشركاء الاجتماعيين والمؤسسات والهيئات الوطنية الأخرى من مجتمع أهلي ومدني، ولا أبالغ إذا قلت إن هذه الاستراتيجية يمكن أن نجعل من حصادها وسياسات وبرامج تنفيذها وتحويلها إلى واقع، شأناً عظيماً في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتقريبه من إنجاز حلم إنهاء الاحتلال وبناء الدولة، خصوصاً إذا نجحنا في تطبيق مبدأ جعل استراتيجية التشغيل هذه شأناً مركزياً مترابطاً ومتكاملاً في صلب اهتمامات خطط وسياسات السلطة الوطنية وزاراتها كل من موقعه، بل إن كل مواطن اليوم مدعو للمشاركة في تمهيد الطريق أمام قيام دولة فلسطينية مزدهرة. نعم، إن اطلاق هذه الاستراتيجية يشكل اليوم مسوّغاً قوياً للدعوة إلى تقديم الدعم لوزارة العمل بهدف بناء قدراتها المؤسساتية والتشغيلية والفنية التي تمكنها من وضع ورسم الترجمات الفعلية الحقيقية لهذه الاستراتيجية الهادفة لمعالجة هموم واحتياجات التشغيل وسوق العمل على المستوى الوطني. ولعل من بين مسؤوليات هذا الدعم ذات الأولوية، هو تمكين الوزارة وأطراف الشراكة الثلاثية من التكامل مع الحكومة وإنجاحها في تنمية ووضع وتنفيذ البرامج والمشاريع التشغيلية التي ستنبثق وتستند إلى مكونات وأهداف استراتيجية التشغيل، بما في ذلك دعم وتعزيز وتفعيل صندوق التشغيل الفلسطيني، وتأسيس الهيئة العامة للتشغيل، التي ستلعب دور المظلة الوطنية الجامعة لكل الجهود الوطنية، وذات الاهتمام والعلاقة في قضايا التشغيل ومحاربة الفقر والبطالة في فلسطين، وتشكل جسماً وطنياً رشيداً في حماية وتوجيه الجهود والأموال المبذولة في التشغيل بأفق وطني تنموي مخطط وموحّد.
إن إطلاق استراتيجية التشغيل وسابقتها استراتيجية التدريب والتعليم المهني والتقني، وما سيليها من إطلاق استراتيجية التعاون، تؤكد، اليوم، بما لا يدع مجالاً للشك أن وزارة العمل تسير بخطىً ثابتة أكيدة ووئيدة لتخط قصة نجاح حقيقي، دون أن نغفل ولا يسقط من حساباتنا أن اطلاقها قد شكل صافرة البداية لما هو أصعب، وذلك من خلال الشروع بوضع النشاطات التنفيذية والبرامج والمشاريع اللازمة لتنفيذها وصولاً لما نصبو إليه ونحلم بتحقيقه. وهذا الأمر يعيد التأكيد مرة أخرى على اهتمام وزارة العمل بدعوة الشركاء الاجتماعيين وكل الشركاء المحليين والدوليين، للإسهام برسم ووضع الأفكار والخطط الواقعية التي يتكامل من خلالها جهد وتجليات الشراكة المجتمعية عبر الحوار الاجتماعي الممأسس والخلاق، ليحمل كل ذي دور دوره، لأن التنمية للجميع ومن الجميع، والتشغيل ركن أساسي من دونه لن يكون هناك اقتصاد ولا تنمية.
نعم، نحن بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، لشراكة مجتمعية حقيقية تسهم معنا في تطوير وخلق خطوط عمل فاعلة لتنفيذ أهداف هذه الاستراتيجية، بحيث تتواءم مع تطلعاتها في خلق فرص عمل وتعزيز كثافة التشغيل، من خلال تطوير البنى التحتية اللازمة وتنمية الاقتصاد الوطني الذي بدونه لن يكون هناك تشغيل، وهو ما يتطلب تطوير استخدام الأعمال والموارد البشرية المحلية لدعم تنمية اقتصادنا المثقل بأعباء التبعية وبانقباض السوق والسيطرة الإسرائيلية المتعمدة.
إن نجاحنا في خلق حالة من الانسجام ما بين النشاطات المكونة للاقتصاد الفلسطيني وتنمية الموارد البشرية هو أولوية ملحة من أولويات استراتيجية التشغيل. برغم الحقيقة الكابسة على أنفاسنا بأنه لا يمكن لنا تحقيق تنمية تعالج بنجاعة ما يواجه المجتمع الفلسطيني من تحديات وفي المقدمة من ذلك الاحتلال، من دون تعزيز وتطوير روح التعاون المجتمعي التشاركي، ومن دون توفير التسهيلات والبنى التحتية اللازمة، وهو ما تسعى إليه وتعمل عليه الحكومة في خضم الحملة التنموية الشاملة التي تقودها. وإلاّ كيف يمكن لنا أن نحقق أهداف هذه الاستراتيجية الطموحة في خلق فرص عمل وتخفيض البطالة وصولاً لأقصى درجات التشغيل الكامل، وزيادة معدل المشاركة في قوة العمل، وخفض مناسيب الفقر المفزعة، لكي تتبلور مخرجات كل هذا في رفع مستويات الرفاه الاجتماعي، في مجتمع فلسطيني مستقل ودولة مزدهرة.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى حسّ عال وجاد بالمسؤولية والشعور بجسامة الوضع القائم وإلى تناغم بنّاء وملتزم وطنياً ما بين جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية بخططها واستراتيجياتها القطاعية، لكي نتكامل معاً في تجسيد الشراكة الحقيقية بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين بالمعنيين الواسع والضيق، وعلى وجه التحديد والأولوية منظمات أصحاب العمل والعمال، لأن في مثل هذا التعاون وحده ما يعبد الطريق رحباً أمامنا نحو النجاح والتحرر وتحقيق الرفاه والعدالة الاجتماعية، كل من موقعه واختصاصه ومسؤولياته أفراداً ومؤسسات.
وفي جميع الأحوال والآجال والظروف، سيظل الاحتلال أولاً وآخراً يمثل العقبة الكأداء والمستعصية في وجه التطور الاقتصادي الفلسطيني، وكل العقبات والمعيقات الأخرى هي انعكاس ونتاج متأتٍ عنه. لذا ستظل الحكومة عبر استراتيجياتها تعمل على خلق الظروف المناسبة لمناخ عمل أفضل، وتوفير شروط عمل جيدة وفرص عمل وأجور أكثر وأعلى، لا سيما في القطاع الخاص برغم التحديات آنفة الذكر.
فبإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتشغيل تكون قد دقت ساعة العمل الأصعب والتحدي الأكبر، الذي ستترجم من خلاله نشاطات وبرامج عملية، تحقق آنف ما ذكرناه من أهداف وتطلعات حملتها الاستراتيجية.
asefsaeed@yahoo.com