زوبعة أوّل الشتاء .. وآخر الصيف!
رايه نيوز: زوبعت فعلاً، لكنها بلّت قليلاً ريق أديم الأرض الناشف، وربما تبلّه اليوم.. غير أن زفت الشوارع في بيتونيا كان مبلولاً ليس من السماء بل من "العوّامات" الفالتة. إعلانات على مفترقات الطرق من سنوات "قطرة قطرة.. حتى نشرب بكرة". هدر الشبكة يصل حتى 40%، فإن خفضت تجديداتها الفاقد بمقدار 40% قد نشرب ولا نعطش في الصيف المقبل، بيد أن "العوّامات" الفالتة (من ضعف الضغط.. ثم زخمه) تتطلب حلاً من سلطات توزيع المياه، ومن المواطنين أولاً.
هذا كلام مهدى، مثلاً، لإنجاز مائي في محافظات جنوب الضفة، حيث دشنوا محطة للتحكم الإلكتروني بالشبكات المائية، لتقليل الهدر والفاقد.. وتحسين الجباية، والحدّ من سقاية الحقول والمحاصيل بمياه الشفة.
نحكي عن ماء السماء، وقد نحكي عن مشاريع الصرف الصحي لتدوير استخدامات المياه، ومنها مثلاً إنجاز بلدية رام الله 50% من مشروع صرف صحي في ضاحية الطيرة ـ رام الله بكلفة 4 ملايين دولار، تتناصفها وزارة المالية والمنتفعون من السكان.. وقيل لي إن المياه المكرّرة بمشاريع الصرف الصحي غير جيدة لبناء المباني، وإنما لسقاية الأشجار غير المثمرة، مثل أشجار الطرق، حيث تنشط البلديات في تشجير الأرصفة.. لكن زراعة نصف مليون شجرة زيتون هذا العام تتطلّب سقاية من ماء السماء في العامين الأوّلين، وبالطبع حماية من أسنان الماعز والخراف.
بالطبع، الحل الجذري لمشكلة المياه في بلادنا يكمن في عدالة تقاسمها مع سلطة الاحتلال التي تبيعنا ماء أرضنا؛ وفي المنطقة بمشاريع التعاون المائي، كما في حالتي العراق العاجلة بسبب سدود تركية وسورية، ومصر المؤجلة المعتمدة كلياً على مياه النيل، ودول الحوض الجنوبي تريد حصة أوفى قد تأكل من حصة مصر الأكبر.
التعاون الإقليمي بالربط الكهربائي أحسن حالاً من التعاون المائي، وتحاول فلسطين أن تكون شريكاً مكافئاً، رغم محطة وحيدة للتوليد في غزة تتعثر إمداداتها لأسباب سياسية أولاً وفنية ثانياً.
على هذا الصعيد الكهربائي ثمة إنجاز فلسطيني في محافظات شمال الضفة يتمثل في عون إسباني يمكن من ربط شبكات كهرباء مدن وقرى الشمال (نابلس، جنين، طولكرم، قلقيلية) تمهيداً لمشروع إقامة أول محطة توليد كهربائي في الضفة، للاستغناء ما أمكن عن محطات التمويل الإسرائيلية بسعر باهظ، وهو ما بحثه رئيس الوزراء فياض مع المسؤولين الإسبان خلال زيارة أخيرة. إسبانيا تقول: هذا دعم لركائز الدولة، ومحافظ نابلس يقول: كهرباء جيدة لصحة وتعليم جيدين!
البلد، أي بلد، هو ماء وكهرباء وشبكات اتصال ومواصلات.. وأيضاً، إدارة حكومية عامة تحظى بالتقدير والاحترام في الخارج والداخل، مثلما تعمل "سلطة النقد" الفلسطينية في ضبط المصارف، ومنها خطوة تصفية مصرف متعثر هو "بنك فلسطين الدولي" دون مساس بدوافع وتسهيلات المواطنين، لأن تعثر أداء بنك يعيق ويثقل على الأداء العام لبقية البنوك.. هذا إن كانت سلطة النقد تطمح في المدى البعيد لإصدار عملة نقدية وطنية.
فإلى الإدارة القانونية، أي المحاكم ومحكمة العدل العليا بالذات، التي ردت دعوى من نقابة الموظفين العموميين بخصوص الاعتراض على ضبط حركة المركبات العامة للحكومة، علماً أنها نقضت بذلك حكماً قضائياً أولياً لقرار الحكومة في الصيف الماضي.
قال لي بسام زكارنة، رئيس نقابة الموظفين العموميين إن نقابته ستحترم حكم المحكمة العليا، وإنه شخصياً سيتخلّى عن سيارته الرسمية. على أن الأمر المهم في حوار الحكومة مع 25 نقابة أعلنت إضراباً تباطؤياً هو الأعم والأشمل، قبل أسبوع، احتجاجاً على قوانين التقاعد، أن حكومة فياض احترمت الحريات النقابية، وشكلت لجنة دائمة للحوار معها. نحن دولة كفاف ونتطلع إلى دولة رفاهية!
هي خطوات صغيرة في مسار تأهيل هذه السلطة إلى جدارة إدارة دولة تقف على قدميها خلال عام أو عامين، حسب خطة محكمة من الحكومة، ودعم سياسي ومالي من دول العالم، بما في ذلك دعم سياسي بالاعتراف بدولة فلسطين في حدود 1967، كما قرر قادة سابقون في الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع، من حيث مطالبتهم بجدول زمني لإقامة دولة فلسطينية تساوي 100% من الأراضي المحتلة، وأشادت رسالتهم بـ "التقدم المثير للإعجاب" في تطوير البنية التحتية للدولة.
هذا أوضح "ضغط" أوروبي على الولايات المتحدة لتضغط على إسرائيل، شارك فيه 11 مسؤولاً أوروبياً سابقاً بينهم تسعة رؤساء دول أوروبية سابقين.
العالم بأسره، والولايات المتحدة بالذات، كأنها "تفاوض" إسرائيل، وإن بدت المفاوضات "عود على بدء" لمفاوضات غير مباشرة تديرها بين الطرفين الولايات المتحدة. ولوحظ في مؤتمر "تسبان" الأخير مشاركة وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك بمداخلة سياسية تتضمن تقسيم القدس في النهاية، حسب مخطط كلينتون، وهذا اعتراف من باراك بأن "العروض لم تسحب عن الطاولة" بعد فشل "كامب ديفيد 2000"، لكن أسباب باراك هي خلق ذرائع لبقاء حزب العمل في الحكومة الإسرائيلية.. أولاً وقبل كل شيء.
زوبعت في السماء، لكن الزوبعة في الحل السياسي تأجّلت إلى الصيف المقبل على الأقل. المؤسف أن بيل كلينتون لامَ عرفات، لكن أوباما لا يلوم إسرائيل صراحة حتى الآن.