أبواب تمشي في نومها (1)

2010-12-13 10:56:00

رايه نيوز: بالنسبة للعائد إلى هذه البلاد تبدو الطرق وكأنها التشكيل الأهم في الأرض، أكثر أهمية، دون شك، من المنازل والأحراش والوديان ذات الأسماء الغريبة. وديان تحوّلت إلى طرق وممرات، "وادي النار"، وهو غير "وادي جهنم" الذي ذكره ابن بطوطة في رحلته إلى بيت المقدس، كما اعتقد لفترة طويلة، الانحدار والصعود الصعب بين أريحا وبيت لحم بعد الالتفاف على القدس، وفي القمة الأخيرة عندما يلهث كل شيء؛ الناس والجبل والحافلات، يبدو الدير في "العبيدية" صامتاً وساكناً فيما يشبه معجزة من الحجر، أو وادي القلط الذي ينحدر من خاصرة القدس في اندفاعات وعرة وحادة حاملاً مياه الينابيع الآخذة بالتلاشي نحو نهر الأردن مروراً من أريحا، وفيما يشبه نوبة حراسة أبدية حفر الرهبان أديرتهم في الصخر على ضفة مجراه، أو "وادي الحرامية" الذاهب إلى الشمال نحو نابلس حيث مخفر مهجور للشرطة الأردنية. أين ذهب الشاويش، لا شك أن شاويشاً ما كان هنا قبل ثلاثين سنة وشرطة وقطاع طرق في الأعلى بين الصخور.
من بعيد، وعلى سفوح الجبال التي تتجه نحو الجنوب، كان الدخان يتصاعد من القرى الصغيرة مختلطاً بأبخرة الأحراش وخضرتها الداكنة، فيما هو يواصل انحداره محاطاً بأشجار حرجية قصيرة ونباتات شائكة، كان يمكن تمييز مآذن المساجد وأبنية الكنائس والأديرة، وفي مكان ما من المشهد كان يمكن تمييز البيوت المهجورة.
ثمة شيء مختلف؛ رائحة صمت، خيانة، ربما يمنح البيوت تلك السمة، زاوية زجاج مكسور أو عشب على العتبة، ثمَّة من يخبرك، هنا، ومن يصف، طاقة من الوصف أو الإشارات الخفيفة في الهواء تمنحك القدرة على تمييز تلك البيوت ومعرفتها وتسميتها أيضاً، إشارات تأخذك نحو مناطق أخرى غارقة في التفاصيل، فجأة تنكشف أمامك البيوت التي تركها أهلها على عجل؛ دهشة الشبابيك، أغراض صغيرة وصور وملابس، باب الخزانة الموارب، صورة الأب أو الجد في صدر غرفة الجلوس، الأسرار الصغيرة للغرف تبدو مفضوحة تماماً، تحية مقتضبة على الدرابزين الحديدي الذي تَقَشَّر دهانُه.
دائماً كان يفكر أنّ البيوت طرق أخرى تم تكثيفها والتفاهم معها أو أنسنتها وتحويلها إلى طرق أليفة، فيما بقيت تلك التي لم نتمكن من إقناعها حرة ومفرودة تستدرجنا إلى مسرّاتها ومهالكها.
البيوت هي الطرق الأليفة، تلك التي جرى، بدأب إنساني مذهل، ترويضها وتربيتها وتعليمها لتخدم العائلة، البيوت طرق في الأقفاص، لا شك في ذلك.
فكر بكل هذه الطرق، بالقرى التي تبدو مثل ثمار مهملة على أطرافها وبالأبواب التي تنفتح على الإسفلت مثل فلاح جريء، يعبر صالة سينما للمرة الأولى، بدت تلك الأبواب، في حينها، كأنها امتداد هندسي أخرق للطرق، أو، وفي محاولة لإنقاذها من المجاز القاسي، بدت كأنها تنويع على الأبواب أو أنها أبواب، فقط، تمشي في نومها.

(1) مقطع من رواية "عربة قديمة بستائر" التي صدرت هذا الأسبوع عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع.