أوروبا تتراجع.. ولا تعترف!!

2010-12-15 08:49:00

رايه نيوز: وصل المبعوث الأميركي جورج ميتشل، إلى رام الله للقاء الرئيس أبو مازن، أمس، الثلاثاء، وهو مزود بسلاح ضغط جديد، متمثلاً في رفض الاتحاد الأوروبي، أسوة بالولايات المتحدة، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو الطلب الذي تقدمت به منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاتحاد الأوروبي قبل أيام، حيث اكتفى الاتحاد الأوروبي في اجتماعه، أول من أمس، في العاصمة الأوروبية - البلجيكية، بروكسل بالإعراب عن الأسف لفشل المحاولات لدفع إسرائيل إلى التجديد لتجميد البناء الاستيطاني، أسوة بالموقف الأميركي أيضاً.
قبل أيام، ظهر وكأن الاتحاد الأوروبي على وشك أن يشق عصا الطاعة على الموقف الأميركي، من حيث الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتحميل اسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات، ما أوحى بذلك موقف ألماني واضح، هدد باعتراف أوروبي، ربما خلال عام في حال فشل المفاوضات بالدولة الفلسطينية وتكريس هذا الاعتراف في المنظمة الدولية بما في ذلك مجلس الأمن، وقد وصل هذا التهديد الألماني إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبشكل مباشر إثر لقاء وزير الخارجية الألماني فون كلايدن مع نتنياهو حيث سلمه رسالة واضحة من المستشارة الألمانية ميركل بهذا الخصوص، وحسب ويكيليكس فإن مواجهة حدثت بين رئيس قيادة الأمن القومي الإسرائيلي عوزي أراد ونظيره الألماني حول هذه المسألة قبل عدة أشهر، أي أن الموقف الألماني ليس رد فعل لفشل أميركا في الضغط على إسرائيل على الملف الاستيطاني.
وألمانيا تقود استقطاباً أوروبياً داخل الاتحاد الأوروبي مكوناً من الدول الخمس الكبرى في الاتحاد، فإضافة إليها، هناك إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا، وخشية من أن يتخذ هذا التحالف موقفاً (ألمانياً) على هذا الملف، تحركت إسرائيل بكل قوة، لمنع اتخاذ قرار من قبل الاتحاد الأوروبي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى لو كانت هناك مهلة زمنية محددة بسنة كاملة، وبررت إسرائيل موقفها هذا، بأنه على الاتحاد أن يمنح التحرك الأميركي "الجديد" فرصة لانتظار نتائجه، وأن إسرائيل ستتعاطى بمرونة ومسؤولية، لدى لقاء ميركل ونتنياهو، الشهر القادم، في جلسة حكومية مشتركة، استمراراً للجلسة المشابهة التي عقدت هذا العام في العاصمة الألمانية برلين، وفي ذات الوقت تحركت الخارجية الأميركية لوقف أي ميل لدى ألمانيا والاتحاد الأوروبي، للاعتراف بالدولة الفلسطينية أو تحميل إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات، إذ أن ذلك، سيضع عراقيل إضافية أمام الجهد الأميركي الجديد الساعي لإطلاق العملية التفاوضية، وقد نجحت هذه المساعي المنسقة، في تحقيق تراجع إضافي من قبل الاتحاد الأوروبي عما كان يرسم له.
كل ذلك حدث قبل لقاء ميتشل مع أبو مازن، ولعل ترتيب زمن هذا اللقاء، أخذ بالاعتبار تزويد الاول بعنصر ضغط إضافي على الجانب الفلسطيني، ولعل ميتشل لا يحمل جديداً سوى هذا السلاح الإضافي، في ظل تمسك القيادة الفلسطينية المعلن بموقفها القاضي بتجميد الاستيطان، وضمانات أميركية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبقوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من الاعتداءات الإسرائيلية، وهو الموقف الذي جددت اللجنة التنفيذية الالتزام به في اجتماعها قبل أيام قليلة.
والحديث عن صيغة جديدة لدى الأميركيين، لا جديد فيه، سوى العودة إلى الوراء، إذ أن هذه الصيغة، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، تطلب من الجانبين تسليم مواقفهما في كافة ملفات الحل النهائي لواشنطن، هذا الأمر، تم أكثر من مرة خلال عام ونصف، من دون أن يشكل ذلك أي دعم حقيقي لإطلاق العملية التفاوضية، وهذه المرة، كما في المرات السابقة من الأرجح أن ترفض إسرائيل هذا الأمر، وقد أوضح نتنياهو أثناء اجتماعه مع وزراء الليكود مؤخراً، أنه يعارض تسليم مواقف "نهائية" في كل المواضيع الجوهرية، ويبدو أن التحرك الأميركي الجديد، سيجد مواجهة إسرائيلية باتت عادية بعد تراجع أميركي متكرر أمام التعنت الإسرائيلي الدائم، في حين أن الجانب الفلسطيني كان قد سلم رؤيته حول كافة الملفات للإدارة الأميركية، وتضمنت هذه الرؤية موقفاً مرناً في مسألة الحدود "تبادل أراض" وزاد على ذلك بتقديم خريطة تفصيلية للإدارة الأميركية، فما الداعي لتكرار الطلب الأميركي الجديد، الذي لا جديد فيه!!؟
وعلى عكس ما كانت إدارة أوباما تراهن عليه، من انهيار حكومة نتنياهو، ودخول حزب كاديما إلى الحكومة، الأكثر مرونة فيما يتعلق بالرؤية الأميركية، فإن فشل هذه الإدارة في الضغط على حكومة نتنياهو حول ملف الاستيطان، عزز من مكانتها وأضعف من المعارضة بقيادة ليفني، التي بدورها لم تنتهز فرصاً عديدة لإضعاف حكومة نتنياهو، ليس فقط لمسؤوليتها في انهيار العملية التفاوضية، ولكن أيضاً لأسباب داخلية، كإهمال منظومة الإطفائية قبل وأثناء حريق الكرمل وإضراب المدعين العامين وتآكل الجهاز القضائي، والتشريعات المناهضة للديمقراطية والاستسلام لمطالب الأصولية الدينية، ورفض حزمة الإغواء الأميركية، كل ذلك كان يمكن أن يوفر فرصة لانقضاض المعارضة على حكومة نتنياهو لإضعافها، غير أن ذلك لم يحدث، واللقاء الذي تم بين ليفني وكلينتون قبل خطاب الأخيرة للإعلان عن الفشل الأميركي، هو شكل من أشكال تحفيز المعارضة للقيام بدورها، وربما لا تزال إدارة أوباما، تراهن على هذا الدور، وهو رهان خاسر بكل المقاييس.
وإذا كانت القيادة الفلسطينية لا تزال أكثر التزاماً بموقفها المعروف، فماذا عن الموقف العربي؟ فلجنة المتابعة للمبادرة العربية تجتمع اليوم، ويقال إنها ستتخذ مواقف مهمة لدعم الموقف الفلسطيني، سمعنا ذلك قبل كل اجتماع لهذه اللجنة، من دون أن نلمس تحركاً عربياً فاعلاً ومؤثراً على الإدارة الأميركية التي لا تكترث للشعارات والمواقف اللفظية لهذه اللجنة، ولا تحسب لها أي حساب، كونها ذات تأثير استهلاكي غير عملي، فمن دون أن يكون هناك جهد عربي، لتعديل ميزان القوى السياسي، ستظل هذه الاجتماعات دليلاً إضافياً على هزال الموقف العربي وجنوحه إلى التنظير الخطابي من دون أن يقدم دعماً حقيقياً للموقف الفلسطيني الذي يجد نفسه وحيداً، رغم كل الشعارات والمواقف اللفظية الهشة.
وإذ يطرح الجانب الفلسطيني جملة من الخيارات في مواجهة الفشل الأميركي على الملف الاستيطاني، فإن هذه الخيارات - أيضاً - ستظل مجرد خيارات نظرية غير فاعلة ما لم تقم هناك أرضية صالحة لإطلاقها، ولا يبدو أن الجانب العربي مستعد للقيام بجهد عملي لدعم هذه الخيارات، قد يتبناها في نهاية الأمر، من دون أن يدفع الالتزامات التي تحول هذه الخيارات إلى فعل جدي يمكن أن يحسب له حساب من قبل الأدوات الفاعلة على الساحة الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، من المنتظر أن تنكفئ القيادة الفلسطينية، وهو انكفاء مطلوب، لتعزيز الوضع الداخلي الفلسطيني لجهة بذل جهد متواصل من أجل إنجاز المصالحة الوطنية، والقيام بخطوات عملية من أجل تجديد وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سليمة، من خلال تقييم وتقويم مسيرة، لم تحصد حتى الآن إلا الخيبات، رغم أنها صمدت أمام الضغوط!!.