على حدّ السيف بين تعطيلٍ وإفشالْ

2011-01-04 07:47:00

رايه نيوز: قريباً من الحلم، وبعيداً عن كل ما يكتنف المشهد الفلسطيني من تعقيدات وتراجيديات الوضع التفاوضي المنهار، ودراماتيكيات المصالحة الوطنية المنكوبة بمفسديها ومعطليها العامدين لصالح أجندات خاصة وخارجة عن حدود الوطن. وعلى حدّ السيف بين رحى الإفشال الإسرائيلي للتفاوض، وطاحون التعطيل الحمساوي للمصالحة، بهدف إجهاض مشروعنا الوطني في إقامة الدولة، تتابع القيادة الفلسطينية، برئيسها محمود عباس "أبو مازن"، ورئيس وزرائه د. سلام فياض، بكامل تفاؤله وآماله الكبيرة بحتمية موعد شعبنا مع الحرية وقيام الدولة، وتصميمه العنيد عبر نشاطه المكثف بحملة ديبلوماسية دولية واسعة وناجحة، تبدّى أُكُلها من خلال رزمة الاعترافات الرسمية الدولية بقيام دولة فلسطين وحدودها المشروعة على الأراضي التي احتلت العام 67.

وعلى العكس تماماً مما يروج له الإسرائيليون ويسعون إليه عبر الدعايات البائسة ضد الفلسطينيين، وحملات الصد المنظمة التي يطلقونها في مواجهة مشروعنا الوطني لتقويضه، جاء الموقف الأوروبي الداعم والمؤازر لحقوق شعبنا ليصفع مواقفهم ومقولاتهم عبر التزامهم الكامل ودعمهم لموازنة السلطة الوطنية بمبلغ 31 مليون يورو، وهو ما برز جلياً في أقوال "بيرغر"، حين أشار إلى أن التقدم الذي حققته السلطة الوطنية الفلسطينية خلال العام الماضي، يشكّل "إشارة واضحة على أن السلطة الوطنية تسير بنجاح بهدف بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية"، مؤكداً استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لخطة الحكومة الفلسطينية حتى إنجاز أهدافها. وهذا ما عكسه الدكتور فياض بقوله: "إن دول العالم باتت تدرك أهمية إنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة المستقلة على حدود العام 67"، ما يفزع السياسيين الإسرائيليين ويقضّ مضاجعهم.

لكن، مع كل هذا يقف المشروع الفلسطيني اليوم في مواجهة عاصفة مع الأطراف المعطّلة له، المفسدة للتفاوض والمصالحة في آن معاً، وكأنّي بالطرفين المعطلين والمعاديين للمشروع يتناوشانه، من حيث يدرون أو لا يدرون، بثنائية فاقعة على طريقة "خُذْني.. جيتَكْ"، وفي كلتا الحالتين، إنْ يدرون أو لا يدرون، فمصيبتنا بهم عظمى وأعظمُ.

فلو نظرنا لجملة المفارقات والمقاربات العجيبة في المشهد القائم مع هذه الثنائية البائسة العمياء والمضلِّلة، لوجدنا أن حركة "حماس"، مثلاً، تصعّد اليوم حملتها وهجومها الفظ، غير العاقل ولا المفهوم حتى وطنياً، ضد السلطة الوطنية ومشروعها الوطني، وبتوقيت لا يمكن له أن يخدم ولا يصبُّ إلاّ في مصلحة الاحتلال والسياسات الإسرائيلية، ما يعيد إلى الأذهان التوقيتات القاتلة للعمليات والمواقف السياسية والعسكرية التي نفذتها حركة "حماس" على امتداد مسيرتها السابحة عكس التيار، مروراً بالانقلاب وبعده. وفي نظرة فاحصة وسريعة، نستطيع أن نلحظ بأم العين والذاكرة والأذن، كيف أن "حماس"، عملياً، ومنذ ظهورها، خاضت حرباً شعواء مكشوفة ضد السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، وليس ضد إسرائيل، فكل مردودات وارتدادات نشاطاتها كثيراً ما كانت تصب في خانة الاحتلال تؤمن له وقوداً وأسباباً لاستمرار عدوانه، وعلى نحو تخريبي فاضح، لم يكن يهدف إلاّ لإفشال السلطة ومشروعها السياسي، وإفساد محاولاتها في تحقيق أية نقطة داخل حلبة الصراع التفاوضي مع إسرائيل، وفي هذه المفارقة العجيبة قلْبٌ فاضح وجارح حتى للدور الوطني العام، الذي يفترض بحركة "حماس" أن تلعبه داخل الملعب الفلسطيني وخارجه.

نعم يا سادتي، إنّ ما تقوم به "حماس"، بدءاً من استمرارها في الانقلاب الذي شوّه معالم ومواصفات الوحدة الوطنية وكرّس حالة الانقسام، وهو يعكس نفسه وآثاره سلباً على الدعم والمؤازرة الدولية لشعبنا على مختلف الصُّعُد، ناهيك عن التصعيد غير المسبوق واللامفهوم المكرَّس باللامعقول ضد المشروع الوطني، بالتوازي تماماً، إنْ لم يكن متتابعاً، مع حالة الغزل الفاضح مع الجانب الإسرائيلي، في ظل تحرشات الأخير واستمرار عدوانه، ما يعطي دعماً صريحاً مجانياً لنتنياهو وحكومته، التي دأبت على أن تستغل كل هذا أبشع استغلال، لتنفيذ سياساتها العدوانية والاستيطانية، بما في ذلك اعتداءاته الماضية والقائمة والمتوقعة على أهلنا في القدس وغزة. فأية عبقرية سياسية هذه التي تنتهج سياسات ومواقف فلسطينية كهذه في وجه السلطة والمشروع الوطني المستهدف عُرفاً وحقيقة من قبل أعداء الشعب الفلسطيني، أينما كانوا، وأعداء السلام عموماً؟!

ولأنّ نتنياهو يصرّ على تأبط موقفه المراوغ والمغرق في المماطلة والتعنت والتسويف المقذع، في لعبته التي باتت مكشوفة مع الفلسطينيين. ولربما يصح القول، اليوم، إن نتنياهو هو الأكثر انكشافاً لنا في موقفه الساعي لإفشال حل الدولتين، بعدما أفشل ودمّر اتفاق أوسلو، ولفرض خيار الحل الاقتصادي، الذي يكرّس ويوسع استيطانه الاستعماري في الأرض الفلسطينية، ما يبدد الآمال والآفاق حتى الحالمة بإنجاح التفاوض الموصل للسلام المتوازن الذي تبنّاه المجتمع الدولي، وحتى واشنطن الهابطة من علياء موقفها الداعم للحل نحو درك الموقف النتنياهوي، والتساوق معه، في لحسٍ غير مسبوق لمواقف أميركية معلنة رسمياً، وعلى رؤوس الأشهاد. فإن على الفلسطينيين، وفي مطلق الأحوال والظروف، أن لا يفقدوا الأمل ولا البوصلة المسددة باتجاه حقهم المشروع في قيام دولتهم، آخذين في الاعتبار التقدم دائماً على المسارين للسكة الواصلة للهدف الوطني الأسمى، وهما: مسار التفاوض والديبلوماسية غير القابل للتراجع مهما حصل، ومسار المأسسة وبناء القوانين ومؤسسات الدولة الفلسطينية القادمة لا محالة، وهو ما يدركه ويعلمه، علم اليقين، الإسرائيليون قبل غيرهم.

إنّ ما يبين بوضوح خطورة وغرائبية المشهد المشار إليه آنفاً، هو أن ثمة تقاطعات وتشابهات وقواسم سياسية خطيرة باتت اليوم أكثر افتضاحاً ووضوحاً، تتبدى ما بين حكومة نتنياهو ومواقف "حماس"، وشرُّ الشاهدين على ذلك، التصريحات اليومية المفزعة التي يطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، ضد الفلسطينيين وضد المفهوم والمنطق الدولي للسلام، لتترافق مع هجوم حمساوي شرس ضد السلطة، جنباً إلى جنب مع مغازلة سياسية لإسرائيل عبر مبادرات سخية من قبل "حماس" لا تنفع شعبنا بمقدار ما تلحق به أضراراً سياسية ووطنية حول تأكيد الأخيرة الالتزام بالتهدئة. بل إن حالة من التخبط والارتباك، وحالة الانفصام بين ما يمكن أن تسمعه اليوم من تصريحات حول التمسك بالالتزام بالتهدئة، وفي اليوم التالي تذرف الدموع وتطلق التصريحات الرنانة التي تمجد المقاومة ومنطق المقاومة، وصولاً للقول: "ليس أمام الإسرائيليين سوى الموت أو الرحيل"؟! نعم، يكتمل المشهد الفلسطيني الإسرائيلي المروع عندما نقرن ما أسلفنا من بؤس سياسي وفكري مع اختلافات وتباينات بعض القادة الإسرائيليين، حين يعلن ديفيد بن اليعازر "أنه لن يصاب بالدهشة إذا اعترفت أميركا بدولة فلسطينية"، وأقوال ليبرمان إن الرئيس أبو مازن والسلطة الوطنية غير شرعية، انتهاءً برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حين فاح بالقول: إن الفلسطينيين هم الذين يعطلون عملية السلام!!

إذاً، نحن اليوم في صراع ليس مع الاحتلال والاستيطان وحسب، وإنما أيضاً مع الأطراف المُعطِّلة لحياتنا ومصالحنا الوطنية، والعابثة بمشروعنا الوطني، لكن حقنا المشروع في مواجهة كل هؤلاء يبيح لنا أن نستزيد من الشعر بيتاً في شعوائية هذا الصراع مع الأطراف المعطلة والمانعة للسلام والهدوء والاستقرار تحت وقع وأداء الوسطاء، من ميسرين ومنحازين ومحايدين، لنقول لهم وللعالم أجمع إن إسرائيل وحدها تتحمل مسؤولية إفشال المفاوضات، وحركة "حماس" أيضاً هي مَن يتحمل مسؤولية عدم نجاح المصالحة.

أخيراً، دعوني أتساءل: لمصلحة مَن كان هذا الانقلاب الأسود وهذا الهجوم الحالي الأهوج؟ الذي يعكس العدمية السياسية العمياء وسُعار مَن تمسكوا بأية سلطة، وإنْ على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، على قاعدة ما ألفناه ولمسناه فيهم من مفاهيم "خرِّيبْها لعّيبْها" ولُعْبة "أنا أعمى ما بشوف أنا ضرّاب السيوفْ"، التي كانت مطية الصغار في زمن الجهل والجهالة والصبيانية اللامسؤولة، لكن إذا كان الحجر في مكانه قنطاراً، فإن الكلمة في وقتها ولحظة الحقيقة قناطرْ مقنطَرة تفتح آفاق مشروعنا التحرري الوطني على مصراعيه، مهما تباينت وتعددت به الاختلافات، ما دام فيصلنا جميعاً مصلحة الوطن أولاً، وبالتالي فإن كان منطق الجهالة قد صحّ في زمن الطفولة السياسية وألعاب الصغار، فسيكون حراماً وإجراماً انتهاجه في ملعب الكبار وأمام جلالة قدْر المسؤولية الوطنية العليا المضمّخة بدماء الشعب، التي يتوجب أن تظل هي اليد العليا والفيصل الناظم والضابط للسلوك والأداء الوطني مِن كائن مَن كان، وملالي الانقلاب وصنّاع قرارهم أول الكائنين ممن كانوا.