مؤتمر حركة فتح: الآمال معقودة والمخاطر ماثلة

2009-05-07 08:28:00

على ما يبدو فان مؤتمر حركة فتح بات على الأبواب. وان لم تحصل مفاجآت كبيرة فان الخلافات باتت محصورة في أوزان التمثيل والأعداد - في المحطة الكبيرة الاولى للخلاف- وفي طريقة انتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري - في المحطة المؤجلة الثانية في الخلاف- وكذلك في مسألة المكان- اقصد مكان انعقاد المؤتمر- وهذا كله يتعلق بانعقاد المؤتمر.

دعونا نسمي كل ذلك بالقضايا الاجرائية التي بدون الاتفاق عليها يتعذر انعقاد المؤتمر، ومن شأن الاتفاق حولها ان يؤدي في نهاية المطاف إلى التئام هذا المؤتمر المهم.

هذه كلها قضايا مهمة وتستحق الخلاف والاختلاف وهي مسائل اجرائية من جهة ولكنها مصيرية في القدرة على التأثير في مسار المؤتمر ونتائجه من جهة أُخرى.

لكن الأهم بالنسبة للشعب الفلسطيني وبالنسبة للقضية والوطن هو السؤال التالي: هل سيكون هذا المؤتمر محطة فاصلة في مسار تطور هذه الحركة وهل سيشكل نقطة تحول في دورها او استعادة دورها ومكانتها؟ أم ان هذا المؤتمر بالذات سيكرس حالة التراجع التي تشهدها الحركة منذ اكثر من عقدين كاملين وبصورة متصاعدة ايضاً؟؟؟
بعبارة أُخرى فان سؤال الشعب الفلسطيني ينحصر في قضية واحدة: هل ستتمكن "فتح" من خلال مؤتمرها القادم من الانتصار على ذاتها وتجاوز نفسها عبر عملية مراجعة جادة ومسؤولة لبنيتها وبرامجها وممارساتها واساليبها وطرائق عملها وتعاملها، أم انها ستغرق في قضايا مراكز القوى فيها واصحاب النفوذ والمصالح والقرار لكي تتحول عملية المراجعة من عملية وطنية شاملة وحساسة ومصيرية على الوطن والقضية إلى عملية حزبية ذاتية وخاصة، تتعلق بالموازين الداخلية والمعادلات الجهوية والمناطقية والمصلحية للكتل والفئات والمراكز؟؟؟
لا يهم الشعب الفلسطيني كثيراً أوزان التمثيل واعداد الاعضاء ولا يهم الشعب الفلسطيني مكان انعقاد المؤتمر وطريقة اختيار اللجنة المركزية وشروط هذا الاختيار بقدر ما يهمه الكيفية التي ستخرج فيها كبرى الحركات الوطنية الفلسطينية من هذا المؤتمر سليمة ومعافاة قوية وموحدة، واضحة ومحددة في رؤية الطريق نحو تحقيق الاهداف الوطنية.

ففتح على الرغم من كل ما أصابها ومن كل ما لحق بها ومن كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها والتي ارتكبت بحقها وباسمها وتحت غطائها هي الحركة الاعرق والأكبر والأهم في تأسيس مشروع الوطنية الفلسطينية وفي حمايته ورعايته والدفاع عنه، وهي رائدة القرار الوطني المستقل والمؤسسة الفعلية لمشروعه الكياني والوطني الذي تجسد في منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقائدة نضاله وبيته وهويته الوطنية.

وفتح على الرغم من خسارتها وانتكاستها وتراجعاتها هي صاحبة ورائدة مشروع الكفاح المسلح ومشروع الكيانية الوطنية ومشروع الديمقراطية الفلسطينية، وهي ما زالت حصان الرهان الاول ومعقد الآمال الكبرى في وصول المشروع الوطني الى نهاية حاسمة من الحرية والاستقلال الوطني، وهي حركة وطنية اصيلة نبعت من اوساط الشعب وبزغت من بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين ومخيماتهم وتسامت فوق الايدلوجيات وارتفعت إلى ما هو أعلى من فوضى التعددية إلى التنوع وسعة الأفق والحنكة ومرونة الحركة والحراك.

كما ان فتح التي عرفت دائماً في ظل ظروف لم تجابه بها اي حركة للتحرر الوطني في التاريخ المعاصر.. عرفت دائماً كيف تبقي على فلسطين كتلة متوهجة وتبقي فلسطين في قلب احداث هذا العالم على مدى اكثر من اربعين عاماً من الملاحقة والمطاردة ومحاولات التصفية والاقصاء.

ان حركة بهذا السجل الحافل وهذا التراث المشرف وهذه المسؤولية المثقلة بالاعباء والتضحيات وهذا التاريخ الذي هو تاريخ شعب بأسره لحوالي نصف قرن من النضال الوطني المثابر لا يجوز ان تختصر في المضامين التي يدور حولها النقاش اليوم مهما كان لهذه المضامين من اهمية ومن منزلة في تقرير مصير هذا القائد او ذاك او هذه المنطقة او تلك، كما لا يجوز ان يُختزل هذا الدور الذي اضطلعت به حركة فتح لخلاف أو اختلاف على نفوذ لهذه الفئة او مصالح لفئات أُخرى.

الشعب الفلسطيني ينظر لمؤتمر حركة فتح كمحطة مراجعة ووقفة مساءلة يتم من خلالها تحديد المسؤوليات وتوزيع الاعباء واجراء ما يلزم من تطهير ومحاسبة واعادة اعتبار للقيم الوطنية والنضالية ومحاصرة كل مظاهر الشللية والقبلية والمصالح الخاصة.

لا يستطيع الشعب الفلسطيني ان يستغني عن حركة بهذا التاريخ وبهذا الإرث النضالي العريق قبل ان يحقق الاستقلال الوطني وقبل ان يبني دولته المستقلة، ولا يجوز لهذه الحركة ان تتخلى عن اهداف هذا الشعب وعن احلامه وهي التي حملت على اكتافها من خلال آلاف شهدائها واسراها ودفعت ضريبة هذا الوطن قبل ان تُنصب حاكماً فيه وعليه.

لا يحق لحركة فتح ان تسمح لنفسها في ظل ما يعانيه الشعب الفلسطيني وما يواجهه من تحديات تمس اهدافه وحقوقه وهويته وكامل مشروعه الوطني ان تعتبر محطة عقد المؤتمر مجرد محطة لاعادة انتاج الأزمة أو الدوران من حولها أو الالتفاف عليها، لأن حركة فتح بالذات هي المطالبة قبل غيرها بالاجابة على اسئلة المرحلة وتحدياتها الفكرية والسياسية والتنظيمية والكفاحية على حدٍ سواء.

وحركة فتح هي المطالبة بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن كل اخطائها وعن كل خطاياها اذا ارادت ان تعود لتقوده من جديد وهي المطالبة بمحاسبة نفسها علناً ان هي ارادت ان تستعيد ثقة الشعب وان تسترجع الزخم والقوة والعطاء الذي دأبت عليه.

الشعب الفلسطيني يريد ان يعرف من الحركة التي طالما احتضنها وطالما قدم لها ابناءه وضحى من اجل استمراريتها في المقدمة وفي الطليعة وفي اصعب الظروف واحلكها... يريد ان يعرف أين أصابت هذه الحركة وأين اخطأت، ومن المسؤول ولماذا لا يحاسب احد، ولماذا لا يتغير احد ولماذا لا يطاح بأحد، والشعب الفلسطيني بينه وبين قرارة نفسه يسأل - وهو من حقه ان يسأل- ما الذي جرى لهذه الحركة؟ لماذا لا تتقدم؟ ولماذا هذا الترهل؟ ولماذا هذه الاستكانة؟ من المسؤول؟ وما هو المطلوب؟ والى متى سنظل نراوح حول نفس النقطة وفي ذات المكان؟؟؟
كم من الاحداث مرت على الشعب الفلسطيني منذ انعقاد مؤتمر حركة فتح السابق وحتى يومنا هذا، اين هي ورشات العمل الوطنية التي تتدارس هذه الاحداث وأين هو الحوار والنقاش الوطني حول مجريات هذه الاحداث وحول الاداء الفلسطيني فيها وحول الدروس والعبر التي يجب ان نخرج بها.

الشعب الفلسطيني من حقه ان يعرف ما الذي جرى لحركة فتح منذ أوسلو إلى يومنا هذا، ومن حقه ان يعرف لماذا انقسمنا ولماذا نتشتت ولماذا نقف على حافة الهاوية؟؟
الشعب الفلسطيني يريد ان يعرف من "فتح" ما الذي سوف تفعله لمواجهة الجدار والاستيطان والفقر والبطالة وما الذي ستفعله للحفاظ على الوحدة والتلاحم والاهداف.

الشعب الفلسطيني هو الذي انجب فتح ومن حقه عليها ان يسأل وان يعرف وان يغضب وان يعاقب وان يصارح وان يفاتح "فتح" بكل ما يجول في خاطره وبكل ما يفكر فيه.

آخر ما يهم الشعب الفلسطيني ايها السادة هو ما يدور الخلاف والاختلاف عليه.
فهل تنتصر فتح على نفسها وتثأر لشعبها بانطلاقة جديدة تعيد الأمل وترسم الطريق؟؟؟