هي غيبوبة

2011-01-11 08:42:00
رايه نيوز: هل يموت الأسرى أم يعيشون؟ سؤال وجودي يوجع المتفائلين والثوريين والرومانسيين بما فيهم أنا، وعندما وجهت السؤال إلى وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أجاب: سنتركهم في غيبوبة طويلة، وندعهم يقفون كثيراً على جسر الغياب، وسنبقي أجهزتنا وأدواتنا الفولاذية في أفواههم وأنوفهم كي يتنفسوا بما نضخّه نحن إلى أفئدتهم من هواء.

وقال: لقد جمعناهم في ساحة الأبديّة، وأنزلناهم من أعالي الكلام، ووضعنا حولهم كل أسباب الحصار حتى تتبدّل أحلامهم وأيامهم، وهناك بعيداً عن رائحة الأرض وبعيداً عن رؤية السماء، وذلك حتى ينسوا أنهم من سكان التراب فلا يزورهم قمرٌ ولا يطلّ عليهم مساء.

الأسرى في غيبوبة، تزداد كثافة كلما مرّت السنون، بعضهم يصمد أطول مدّة ممكنة، لأن قلبه يدقّ بما توحي له القدس في أحلامه، وبعضهم ينهار بين الإشارة والعبارة، ويصير هاجساً ينام بين الليل والصدى وهو يضيء الملح ويلفظ الشظايا، وبعضهم يدخل في النسيان، يودّع ذاكرته وخيوله خلف خطوط الاشتباك، هي منطقةٌ بيضاء خاليةً من جرحه القديم، لا يحك دمه ولا يرى جسده المعذّب وهي تتقاذفه العواصف في أقبية التحقيق.

الأسرى في غيبوبة، يتسامون على الوقت الذي حدّده السجّان لإعلان موتهم، ويتمرّدون على سنوات المؤبد التي أعلنتها المحكمة العسكرية الإسرائيلية بديلاً لبدلة حمراء تقودهم إلى مشنقة السلام، ولا بدّ من ذلك حتى لا يبقى أي دورٍ للجلاد سوى أن يحرس المسدس والوقت، ويبقى تائهاً بين الحرب والرحيل، يرصد موتى يعيشون بعد الممات.

الأسير جهاد أبو هنيّة في غيبوبة نهارية، منعزلاً لا يعرف أحداً من أهله، لا أمه ولا أبيه ولا أخوته، لا يعرف اسمه وتاريخ ميلاده، يحدّق في ساحة السجن بعيداً ليرى ما لم نره من رحيل الإحساس إلى ما بعد الزمان، كأنه يهرب من زمنٍ لم يتهيأ له، أو يحاول أن يقرأ كلام النجوم كلّما طلّت على بشرٍ سابقين، يضيئون شرايين الحاضرين والقادمين.
جهاد أبو هنيّة في غيبوبة، سارحاً في اللامكان، ومنصور الشحاتيت يحلّق في فضاءٍ آخر، يصطاد غيماته كيفما يشاء، وحسن سلمة يرى العتمة في زنزانته الانفرادية بعد ثماني سنوات كنصوصٍ متواليات من المزامير التوراتية، وهي تفتّش عن نبيٍّ قيل أنه تاه مع شعبه في الصحراء حتى وصل إلى بوابة الزنزانة.

وكررت السؤال: هل يموت الأسرى أم يعيشون؟ فيرتبك وزير الأمن الإسرائيلي ويقول: لا أدري، لقد دفنّاهم منذ أكثر من ربع قرنٍ في إيقاعنا الحربي تعذيباً وقمعاً وحرماناً وقهراً، فظلّوا صامدين يعزفون على الكلبشات وأبواب الحديد، وينشدون لما لم نعرفه من أغاني، نراها أحياناً مطراً، ونراها أحياناً أخرى قوّة روحٍ عنيدة لم نكتشف سرّها حتى الآن.

وقال: اجتمع كل أركان وجنرالات الجيش الإسرائيلي، وقرروا إعادة تقييم عملهم مع الأسرى الفلسطينيين في السجون، واستنتجوا أنه لا بدّ من حربٍ خامسة تضع حدّاً لزهرةٍ تنبت في الحيطان، ولصوتٍ يلعّلع كلّما اشتدّ الظلام، ولا بدّ من إطفاء الشمس من حياتهم، ونبش توابيتهم لإلقاء القبض على أشباحهم... لا بدّ من حربٍ خامسة.

لقد شهد العام 2010 فصول هذه الحرب على مختلف ساحات السجون، حرب التفتيشات والقمع والاعتداءات والاقتحامات والعقوبات على كلّ أسير وأسيرة، على كل حلمٍ وحالمٍ وخيالٍ وبسمةٍ وصورة، وجنّدوا لذلك قوّات "نحشون" و"درور" و"مسادا"، وطلبوا منهم أن ينتصروا على غيبوبة الأسرى كلما تحرّكوا أو تنفّسوا أو تأمّلوا سلاماً يعيد بناء الخارطة.

وعندما فشلت القوات القمعية من تحقيق أهدافها، اجتمعت اللجنة الوزارية لشؤون التشريعات في الكنيست الإسرائيلي على عجل، وقررت أن تسنّ على سيفها مجموعةً من القوانين والإجراءات الكفيلة بتعميق غيبوبة الأسرى سياسياً وقانونياً وإنسانياً، وسحب أجهزة الحياة المساعدة من حولهم، وملاحقة قدراتهم الخارقة على اليقظة والانتباه.

وأعلنت هذه اللجنة سياسة الحرمان من الزيارات للأسرى، والعزل الانفرادي المفتوح، ومنع لقاء المحامين مع الأسرى لمدّة عام، والاعتقال الإداري طويل الأمد وفق ما يسمّى قانون المقاتل غير الشرعي، ولا زالت اللجنة مجتمعة تناقش كيف تمنع الأسرى من البقاء فوق عرش مملكة الحرية التي تهدّد مملكة إسبارطة الجديدة المولودة في لحظة انتقام.

دولة إسرائيل قررت أن يبقى الأسرى في غيبوبة، لأنها أدركت أن النصّ يبدأ بأسماءهم، والفجر يشرق من أعينهم، وأن لهم ذاكرة جمعية انتفاضية، وأرواحهم مسكونة بصور زملائهم الشهداء والجرحى والمبعدين والمحجوزين في مقابر سريّة، وأنهم ليسوا بقايا ركام حربٍ أو زينةً لخرابٍ قديم، وخاصةً أن الأسرى ارتفعوا من مكانة الضحيّة إلى مكانة الباحث عن العدالة والإنسانية والحياة الطبيعية.

إذا ما أفاق الأسرى من غيبوبتهم، هنالك خطرٌ على دولة إسرائيل، لأنهم سيتقاسمون الضوء والبحر معهم، وأنهم سيكشفون الفارق بين مرحلتين قبل الوصول إلى النهاية: مرحلة التحرر الوطني وحق تقرير المصير ودحر الاحتلال، ومرحلة اليقظة والبناء الحضاري والإنساني المنفتح على كل شعوب الأرض.

ولهذا أراد الإسرائيليون أن يبقى المشهد ملتبساً وغامضاً، وأن يبقى الأسرى في غيبوبتهم، لأنهم إذا أفاقوا سيتحرّك الشبح والظلام، وتنقشع آثار الجريمة في دولةٍ قائمةٍ على أركانٍ خمس: الحرب، والتطرف القومي، وقلق الهوية، والخوف من الآخرين، والعنصرية.

لقد منعت دولة الاحتلال أية لجنة أممية أو حقوقية من زيارة الأسرى داخل السجون، كي لا يرى أحدٌ أقداماً مبتورة أو مرضى لم يقدّم لهم العلاج، أو نساءٍ يلدن وهن مقيّدات على أسرّة المشافي، أو أطفالٍ بعمر الورود تعرّضوا لشتّى أنواع التعذيب والتنكيل والتهديد الجنسي، لا تريد إسرائيل أي شاهدٍ يثبت أن هناك صراخٌ في مكانٍ ما في هذا العالم.

هي غيبوبة لطيّ التاريخ والذكريات من نفوسٍ لم يعد لها سوى خواطرها المسترجعات القادرات على قدح الزيت في الأجساد ونشر الأبخرة، وجدارة أمٍّ عجوز تقف على بوابة الصليب الأحمر لإثبات أن لها صلة قرابة مع الأسير، وأطفال يفلتون من مصيدة الجنود ويجمعون الظلال ليلعبوا على وقع رائحة الأمكنة.
هي غيبوبة حتى يقتنع الأسرى بخلع أثوابهم العتيقة، ويصدّقوا أن السجن لم يعد عبئاً على دولة الاحتلال، وكي يعتذروا عمّا فعلوه سابقاً، وعمّا سيفعلوه لاحقاً، وكي يتوارى الأسرى في إعاقتهم لا يفكّرون في يوم ميلادهم ولا بساعة موتهم، يصيرون أصفاراً أو لا شيئاً، يذوبون في قصائدهم الأولى، وينتحرون قرب آخر قافيةٍ تشير أنهم بشرٌ كانت لهم حبيباتٌ وأشجار تينٍ وأحلامٌ صغيرة.