لبنان... بين 1998 واليوم

2011-01-23 07:47:00
رايه نيوز: يخطئ بعض السياسيين والمحللين في بيروت أو في عواصم المنطقة حين يعتقدون بصوابية الاعتماد على الموقف الأمريكي بعد ما أطلقه اوباما ومعاونوه من تصريحات حول دعمهم للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما أجروه من اتصالات بهذه العاصمة أو تلك، أو ما قاموا به من استقبالات "ملغومة" و "موقوتة" فاهتمام واشنطن المتصاعد لا يعني أن القضية باتت كبيرة بقدر ما يعني أن هموم واشنطن واهتماماتها باتت صغيرة خصوصاً بعد أن رأينا سفيرة الدولة الأقوى في العالم تلهث وراء صوت نيابي في لبنان تستميله للتصويت إلى جانب حلفائها.

ومصدر الخطأ هنا ليس فقط في أن الإدارة الأمريكية هي آخر من يحق له التحدث أخلاقيا عن العدالة الدولية، فيما الوثائق السرية المسرّبة تشير إلى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبها كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين فيها، والتي لو كانت هناك عدالة دولية بالفعل لوجب سوقهم جميعاً إلى محاكمات حول ما جرى ويجري في العراق وأفغانستان بل إلى محاكمات لا تقل شأناً عن محاكمات نورمبرغ الشهيرة التي جرت لأركان العهد النازي الألماني.

بل أن آخر من يحق له التبجح بالحديث عن "عدم الإفلات من العقاب" هو الإدارة الأمريكية الداعمة بكل السبل للجريمة الدولية المستمرة، والمسماة الكيان الصهيوني وعصاباته وحروبه وانتهاكاته، بل الإدارة المانعة لأي إدانة سياسية أو محاكمة جنائية لأركان هذا الكيان رغم توثيق جرائمهم وانتهاكاتهم في تقارير صادرة عن هيئات دولية كالتقرير الشهير حول مجزرة قانا الذي قيل إن الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة السابق قد دفع ثمناً غالياً لصدوره، أو تقرير غولدستون حول "المحرقة" الصهيونية في غزة، أو تقرير جريمة أسطول الحرية، وكلا التقريرين صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ومصدر الخطأ لا يقتصر كذلك على تجاهل دروس تاريخية عديدة، شهد لبنان أبرزها على مدى 35 عاماً، وشهدت تونس مؤخراً أخر فصل من فصولها، وكلها دروس تشير إلى أن الإدارة الأمريكية، وقبلها أو خلفها تل أبيب، تجيد استخدام المراهنين عليها لخدمة مصالحها إلى أبعد الحدود، كما انها تجيد المساومة عليهم، أو التنصل منهم بأبشع السبل، إذا احتاج الأمر إلى ذلك، ولنا في الكتاب الشهير "الضوء الأصفر" لسفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور عبد الله أبو حبيب الدليل القاطع على هذه الحقيقة، بل لنا عبرة في ذكرى المدمرة الأمريكية "نيوجرسي" التي جاءت إلى ساحلنا، وألقت بحممها على أرضنا وجبلنا، ثم ذهبت بعيداً في مثل هذه الأيام عام 1984.

إن مصدر الخطأ الأساسي لدى هؤلاء السياسيين في لبنان والمنطقة يكمن بشكل خاص في عدم أدراك حجم الاحتقان العربي والإسلامي والعالمي من السياسات الأمريكية عموماً، وفي منطقتنا خصوصاً، بحيث يتطلع الجميع إلى موقف واشنطن من قضية ما ليحددوا موقفهم في الاتجاه المضاد له، لا سيما حين يكون الموقف الأمريكي متطابقاً مع الموقف الإسرائيلي، كما هو موقفهما من "المحكمة الدولية" اليوم.

ولقد عبر المحلل الاستراتيجي السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية السيد فيليب جيرالدي عن هذا الاحتقان المهدد للنفوذ، بل للوجود الأمريكي، بوضوح في مقالة له نشرها يوم الجمعة على موقع "ضد الحرب" الذائع الصيت في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.

قال جيرالدي:" لن يكون مهماً من سينتخب في 2012 اوباما أو سارة بيلين، فبعد ستة سنوات من هذه السياسات سننتهي كأمة، وكدولة مفلسة ومكروهة في كل مكان. ارثنا الوحيد سيكون شبكة من سبعمائة قاعدة عسكرية ونيف موزعة في كل أنحاء العالم وستنهار الواحدة تلو الأخرى، فيما كان مفترضاً أن تقدم لنا السلام والرخاء لكنها لم تقدم أيّاً منهما".

وبناء عليه عبثاً يحاول حاكم هنا أو هناك، أو سياسي في هذا الموقع أو ذاك، استثارة عصبية مذهبية أو طائفية أو عرقية، لصون موقف يتخذه بناء على إشارة أمريكية، فكل هذه العصبيات تتراجع حّدتها أمام الرفض الجارف للسياسة الأمريكية في المنطقة التي تستهدف جرائمها الأمة بكل مكوناتها، ولا سيما المكّون الأكبر بين تلك المكونات الذي يحاولون استثارته كعصبية هذه الأيام في لبنان في معركة تفتقر إلى الحد من شروط النجاح، بل لجّره إلى مواقع تتناقض مع تراثه وتاريخه ومواقفه الواضحة من أعداء الأمة .

وكم كان حرّيا بالرئيس سعد الحريري، وبمعاونيه المخضرمين ، أن يدركوا الفارق بين الظروف التي قادت إلى موقف والده الشهيد رفيق الحريري المعتذر آنذاك عن تشكيل الحكومة عام 1998 وبين ظروف اليوم، فيومها كان والده مدافعاً عن دستور ما زال غضاً بعد الطائف، وعن بند دستوري متعلق بالاستشارات الملزمة، وكان مع رفاقه ضحية ممارسات قاصرة مستثيرة لعواطف كثيرين ومشاعرهم، في حين يشهد لبنان هذه الأيام أخطر مؤامرة تستهدف مشروعاً تاريخياً تحمله الأمة لمقاومة أعدائها، بل تستهدف مشروعاً نجح في تحقيق انتصار ما زالت تداعياته تتفاعل داخل الكيان العدو.

ولقد كشفت هذه المؤامرة تكالباً إسرائيليا واستعمارياً على تصفية هذا المشروع المقاوم، بل كشفت تكالباً لم يتمالك معه المسؤولون الأمريكيين والصهاينة أنفسهم إخفاءه قبل صدور القرار ألاتهامي بقضية اغتيال الرئيس الحريري، فإذ بهم يتسابقون إلى إعلان مضمونه، بل وتوقع تداعياته "المرعبة" في آن معاً، وهو إعلان أصاب صدقية هذه المحكمة في الصميم.

لقد كان جديراً بالرئيس المكلّف ومعاونيه أن يدركوا أن المسألة ليست مسألة أصوات نيابية، يعرف الجميع كيف تنتقل من جهة إلى جهة، بل كلنا يذكر كيف أن المجلس الذي أقر اتفاقية 17 أيار 1983 المشؤومة هو الذي ألغاها بعد أشهر، ثم هو نفسه الذي صوّت على معاهدة الأخوة والتنسيق والتعاون مع سوريا عام 1991، بل كلّنا يذكر كيف تحولت الأكثرية التي حملت الرئيس عمر كرامي إلى رئاسة الحكومة خريف عام 2004 إلى أقلية في ربيع عام 2005 بعد أن تسلل بعض أعضائها، وبينهم من ضرب بسيف السلطان طويلاً، الواحد تلو الآخر، من مواقعهم إلى الضفة المقابلة.

المسألة إذن هي مسألة خيارات تاريخية، لا حسابات ظرفية، ولا يقلل من تاريخية هذا الخيار سوء أداء من هنا، أو خطأ في الممارسة من هناك. فالتاريخ ترسمه اتجاهات كبرى ولا تعّطله تفاصيل، على أهميتها، كما لا توقف حركته شياطين مهما تكاثرت، خصوصاً إذا كانت على شاكلة الشيطان الصهيوني أو تلك الشياطين الموزعة في كواليس القرار في عواصم الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة منها والحديثة.

فهل يجري الرئيس سعد الحريري، ومن معه داخل لبنان وخارجه، وبغض النظر عن نتائج الاستشارات النيابية الملزمة، مراجعة جريئة وعميقة للخيارات والمواقف، ويتذكر إن أول ما فعله والده الشهيد بعد اعتذاره الشهير عن تشكيل الحكومة عام 1998 هو انه منع وسائل إعلامه من نشر أخبار أو تعليقات سياسية تمهيداً لمراجعة شاملة، بل ولاستدارة كاملة، أدت فيما أدت إليه، إلى عودته بعد عامين ظافراً إلى سدة الحكومة وبعد توثيق صلاته بسوريا وبحزب الله نفسه وتمسكه بالخيار الذي تنطوي عليه هذه الصلات.

الصمود في المواقف فضيلة كبرى، لكن المكابرة والعناد في الخطأ اخطر الرذائل.