يُفتوننا في الانتحار

2011-01-24 07:51:00
رايه نيوز: في غمرة الأحداث التي تجري في تونس ، وأمواج السخط التي تجتاح بلاد العالم الإسلامي ، وأنهار الدماء الزكية التي تسيل من أبناء الأمة الإسلامية ، والسجون التي امتلأت من المجاهدين الصادعين بكلمة الحق ، وفي ظل البطالة والعوز والقهر والظلم الذي يعيشه المسلمون ، تخرج علينا فتاوى تحرم الإنتحار، وكأن الناس لا يعلمون أن قتل النفس وإهلاكها حرام ، وهي تماما كالفتوى التي تبين وجوب الإحسان للجار وإن كان مغتصبا لفلسطين ، وتحريم رفع الصوت من الصغير في وجه الكبير،واعتباره وقحا مع عدم الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الكبير الذي يجب أن يُوَقر كان يهين هذا الصغير ويضربه إلى درجة عدم الاحتمال فصرخ كفاك ضربا وإهانة، وتحريم خروج الزوجة من بيت الزوجية واعتبارها ناشزا تستحق العقوبة ،في حين أن زوجها لا يطعمها ولا ينفق عليها بالمعروف- مع قدرته- ولا يعاشرها معاشرة الأزواج ويضربها ضربا مبرحا ، وبيان تحريم الرشوة مع التعامي عن القانون الوضعي المطبق على الناس ،والمشاهد المحسوس أن الناس يلجأون إلى التحايل والإلتفاف على القوانين المطبقة عليهم ، وذلك لكثرة التعقيدات والإجراءات المفروضة في قضاء المصالح ، ومخالفة كثير مما هو مفروض على الناس لشرع الله ، ناهيك عن تدني الأجور والرواتب في مقابل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة الذي يجعل كثيرا من الأجراء والموظفين تحت خط الفقر أو قريب منه وعدم قدرتهم على تأمين المتطلبات الأساسية اللازمة للحياة .

قال تعالى{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة 217 . في التفسير الميسر "يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه, ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف, وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه, ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام, وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه, ذلك أكبر ذنبًا, وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم, بل هم مستمرون عليها, ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر, فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة, وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا".

العجيب أن تخرج علينا هذه الفتاوى في هذا الوقت العصيب وما تعانيه الأمة من الظلم الواقع عليها ؛ وما يتجرعه الناس في كل يوم ، وفي كل مكان ،وبلاد المسلمين تعاني من أعداء الله .

أين فتاوى هؤلاء وأحكام الإسلام غاضت من الأرض ، وحلت محلها أحكام وضعية جاهلية {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }المائدة50 أين أصواتهم وفتاويهم من إنقاذ الذين يتضورون جوعا في السودان ،بل أين هم من تفتيت السودان وتقسيمه؟؟ .
لماذا لا يُفتون بتحريم نهب ثروات الأمة ؟ .

ألا يرون المناهج الغريبة عن ديننا وعقيدتنا وهي تتغلغل وتعشش في عقول أبناء الأمة ؟ .

أين هم من الإستهزاء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من قِِبل أعداء الأمة ؟.

بل أين غضبتهم من هتك الأعراض، وصرخات المغتصبات ، وصيحات الثكالى والأرامل ، وأشلاء الشهداء وهي تتناثر هنا وهناك، والدماء الزكية كالشلالات؟؟ .

عجيب أمر هؤلاء ؛فأين فتاويهم بل أين موقفهم الواضح من الحفريات التي تجري تحت المسجد الأقصى ؟؟!!! .

ثم نسأل هؤلاء الذين يحرمون الانتحار: ما دمتم تعرفون أن الانتحار حرام ما هو حكم الانتحار السياسي الذي يمارسه الحكام بتبعيتهم للأجنبي ، وما تُحشى به العقول من المفاهيم الغربية ، وترسيخ الواقعية ،وأنّه لا بد من الرضا بالأمر الواقع و التسليم به و أنّه لا يمكن أخذ بعض الحقوق إلاّ من خلال الأمم المتحدة و قراراتها الدولية التي لا تخرج عن تكريس الواقع و التي لا تلزم بتطبيق قراراتها إلاّ المسلمين ؛فكان من نتائجها الضرر الفادح والبليغ بقضية فلسطين بجعل الواقعية أو الرضا والتسليم بالأمر الواقع مصدرا لأخذ الحلول على قاعدة خذ وطالب و التدرج في أخذ الحقوق, دون جعل الإسلام القاعدة الفكرية التي تستمدّ من خلالها الحلول.

و بالتالي الواقع يقتضي المفاوضة والمساومة على حقوق لا نقاش فيها, و لهذا استبعد الحل الإسلامي لأنّه غير متصوّر وغير ممكن عند القائمين على الحلّ والذين استسلموا للظروف الدولية حتى صاروا جزءاً من أدوات الحلّ وليسوا قائمين على الحلّ, مما يؤدي بهم إلى الركون إلى القوى الاستعمارية كشيء لا مناص منه لحلّ قضايانا وفي ذلك الانتحار السياسي .

أين هؤلاء العلماء من هذا الانتحار السياسي الذي هو أشد خطرا من حرق إنسان نفسه أو تحسيه للسم ، أو إلقاء نفسه من الطابق العاشر مثلا .
إن المفتي والعالم يجب أن يحافظ على قيمة فتواه ؛ فلا يصح أن ترخص أبدا، ذلك أنها ليست سلعة تُصنَّع وليست ثوبا يُفصل ، وليست بضاعة تباع وتُشترى في سوق النخاسة ؛ فتقل قيمتها .

إن المفتي والعالم حقا هو الذي يقف مواقف العزة كالعز بن عبد السلام الذي عُرف واشتهر ببائع الملوك .