خبز وماء

2011-01-24 08:37:00
رايه نيوز: تزامنت القمة العربية الاقتصادية في دورتها الثانية في شرم الشيخ، مع "ثورة الياسمين" في تونس. ورغم أن الصدفة وحدها هي التي صنعت هذا التزامن، بين حدثين غير متجانسين في الأداء، وربما متعارضين فيه إلى حد التناقض، طالما أنهما غير مترابطين أصلاً في الوعي المسبق لمقاييس ومعايير القمم بشكل عام، من جانب، وإرهاصات الثورات من جانب آخر. إلا أنها صدفة فرضت نفسها على القادة العرب كلهم، تحت زلزلة هذه الثورة المفاجئة، لتتحول إلى مفصل هو الأهم في اضطرار هؤلاء القادة أنفسهم، لإعادة قراءة المفاهيم التقليدية التي يطرحونها عادة، في قممهم، وفي هذه القمة على وجه الخصوص.
الشعار الأبرز الذي رفعه التونسيون في فعاليات وتظاهرات ثورتهم، كان "خبز وماء، بن علي لأ". ويبدو أن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، قد تلقف هذا الشعار، أو الشطر الأول منه على الأصح، ثم أعاد صياغته في كلمته أمام القادة العرب، فتحدث من خلاله عما أسماه المفهوم الجديد للأمن القومي العربي، والذي يقوم وفق هذا الجديد، أو وفق الشعار التونسي، على "الأمن الغذائي"، و"الأمن المائي". وكلاهما غائبان حتى الآن. أي إن الأمن القومي العربي غائب، أو إنه على الأقل، في مهب الريح.
غذاء، ممثلاً بالخبز في الأساس، وفي حده الأدنى، وهو يكاد أن تختطفه الأسعار الفاحشة من أفواه غالبية المواطنين العرب، وما يتوافر منه فعلاً، لا يكفي لرفع الجوع عنهم، من تونس إلى سواها في معظم الأقطار العربية. وماء هو الحياة، يتحول من سنة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، إلى سلعة باهظة التكاليف، فلا مجال مع ندرتها المتحرجة مثل كرة اللهب، لبلّ عروق الناس، وعروق مواشيهم، وريّ تراب أراضيهم.
الجوع والعطش والفقر والبطالة، كانت كلها عناوين متأججة، لثورة تونس في مواجهة نظام استبدادي لم يفهم من هذه العناوين سوى أنها "العتمة اللازمة" لخنق روح الأمل في صدور الشعب التونسي، وأنها أدوات جاهزة دائماً، لقمعه وتخويفه وتركيعه. وقد استطاع "الياسمين" أن يقلب هذا الفهم إلى عكسه تماماً، فنجح في خلع رأس الاستبداد وإجباره على الفرار الذليل إلى خارج البلاد، ما يعني نجاحه الباهر في تحقيق الشطر الثاني من شعاره المركزي. ويبقى عليه أن يحقق الشطر الأول منه، وهو الأهم، بتوفير "الخبز والماء"، لكل المواطنين.
بالمقابل، وفي سياق ما جعل من تلك الصدفة تاريخاً يكتنز في باطنه العميق، عوامل اقتصادية واجتماعية كثيرة تتحرك نحو التغيير الجذري، وهو تاريخ قومي بالضرورة، يتجاوز تونس إلى بقية الأقطار العربية، هل استطاعت قمة شرم الشيخ الاقتصادية أن تتعامل مع عناوين الثورة التونسية، بما يضمن لها قبل فوات الأوان، أي لهذه القمة، عدم تحقيق الشطر الثاني "بن علي لأ" في أقطارها هي، بمثل ما تحقق في القطر التونسي نفسه؟
ثمة "لأ" كبيرة ومدوية، وموحدة بجميع اللهجات العربية الشعبية والدارجة، لكل الحكام العرب، تفتت الصخر، وتحرث في الأجساد الشابة المحترقة، على امتداد المجتمعات العربية كلها. وليس من مؤشر قي الوقت نفسه يدل على أن هؤلاء الحكام، مكترثون لهذا الدويّ. ولعلهم يحسبون أن مظاهر ومشاهد الاختلاف بين المجتمعات العربية، كافية لحجب غضب ذلك الياسمين عنهم، ولمحاصرة كل ثورة داخل إطارها القطري، فلا فضاء بالنسبة لهم، أمام استنساخ ما يجري هنا، ليكون طبق الأصل هناك، على اعتبار أن لكل قطر على حدة، بيئته التربوية والثقافية، وأسباب غضبه، وعناصر ومكونات ثورته، وهو ما يحرص عليه الحكام العرب، لتعطيل وحدة هذه المجتمعات، بتحويل وعي الوحدة العربية إلى وعي مهمل ومنبوذ.
ولكنه اعتبار موهوم. وإن القوة الشعبية التي تعمل على انتزاع هذا الوهم، تأخذ تجلياتها الواضحة، بالاحتجاجات المتدفقة والمتلاحقة، عبر أقطار عربية عديدة، والتي لن يطول بها الوقت، حتى تتحول إلى ثورات جدية وقادرة على تحقيق شعارها المجتمعي الواحد "خبز وماء، والحكام كلهم لأ".