رويدكم يا شباب وللأردن الشقيق ما يستخلصه

2011-01-25 08:42:00

راية نيوز: قبل الإعلان عن الهبوب الوشيك لزوبعة "الجزيرة" كنت استجمع فكرة الكتابة ليوم أمس، عن الوضع التونسي. غير أن سياقات الفكرة، ذهبت بي الى الدور الذي تلعبه "أم جرير" في محاولتها تفكيك الوطنيات التاريخية الراسخة، وإحالتها الى عالم غامض شاسع، لن يعرف أهلها لأنفسهم فيه، مكاناً أو مصيراً. وفي الحقيقة، كان ثقيلاً على النفس، تكرار الحديث عن التناغم بين شبكة "الجزيرة" ومنظومة الوعظ القرضاوية، الناشطة في قطر. فنحن لا نميل الى الخوض في خلافات عربية، لكن عنكبوت "الجزيرة" الساهر على خدمة المرجعيات التي اختار الحكم في قطر، أن يورط نفسه معها؛ لم يدع لنا مجالاً للسكوت عن مفاعيله. فنحن من خلال الرؤية المهنية البحتة، للرسالة الإعلامية للقناة؛ بتنا للأسف، أمام مشروع تفكيك وطنيات بعينها، من خلال كسر أوعيتها وتمزيق روابطها، ومحاولة دفعها الى حال اللا تشكل الكياني!

* * *
تجربتنا مع المحتلين، منذ بدايات الهجمة الصهيونية على بلادنا، تختزن وسيلة إيضاحية شبيهة بلغة "الجزيرة" وبمسعاها. فقد كان آباؤنا وأجدادنا، في بدايات الهجمة الاستيطانية، يسمعون مختار المستعمرة، الذي يطرح نفسه معمّراً جلاباً للرفعة وللخير، فيما هو قاتل أو حاقد متربص؛ يفسر وقائع اللحظة التاريخية في زمنه، بمنطق التأسي على الحال العربي، والتنويه الى خيانة "الكبار" واهتمامهم بمصالحهم؟ بل من الذي لم يسمع من آبائنا، حتى الأمثلة، المساعدة على تفكيك الإجماع الوطني، كالقول: "ناس بتوكل الجاج وناس بتوقع في السياج". كنا، منذ تلك الأوقات المبكرة، بصدد منطق يرتدي لبوس الغيرة على الفلسطينيين العرب، ولبوس التمني لوحدة الكلمة الفلسطينية. لكن هدفه لم يكن إلا استكمال عملية الاستلاب وإحالة شعبنا الى اليأس. اليوم، يطمح هؤلاء المُريبون، الى إقناع المجتمع الفلسطيني، بلا جدوى الكيانية الوطنية. الهدف، هو تسويق فكرة مختصرة، تختزلها عناوين ولقطات سريعة على الشاشة، وثرثارون يتقمصون أدوار المحللين، وخبراء يجهلون مرامي السياق الذي وُضعوا فيه. قوام هذه الفكرة أن نواة النظام السياسي الفلسطيني ليست إلا مجموعة من الخونة، وهي عبء على الفلسطينيين وعلى قضيتهم. ويمكن أن يُقال في هذا السياق اللئيم، كل شيء يتعلق بالمدركات الأولى للقضية الفلسطينية، ثم يتكرر التأكيد على ما يُقال، بمفردات طهرانية ونورانية، وبدموع في المآقي، حتى تغرق السفينة الفلسطينية وترتطم بالقاع. عندئذٍ سيختفي الحكّائون الذين أظهروا تشبثهم بالمدركات الأولى، ثم تبدأ أمواج أخرى من الكلام، عن الشعب الذي فرّط ولم يعد يستحق شيئاً، مثلما كتبت مجلة "الإخوان المسلمين" في دبي، ذات يوم في الثمانينات، عندما أصابتنا مذبحة صبرا وشاتيلا، وبدا أن لا قيامة لنا بعدها!

* * *
إن ما عرضته "أم جرير" لا يستحق المناقشة. لذا رويدكم يا شباب، فلا تنزعجوا. لقد كانت الشاشة سخيفة، وزادها افتضاحاً، الظهور الفجائي لفصيل من المشاركين، المتعرقين المنصة في عز الشتاء. كان المشهد، من حيث الشكل، ينبيء بعرض مُذهل بحقائقه الدامغة. وفي طريقة تقديم المادة المتعلقة بصائب عريقات؛ بدت المسرحية في حاجة الى ليلة أضحى ومشنقة، إذ ارتجل الذين توافروا على العمل الكتابي والإرشيفي، سيرة حياة الرجل، لكي تُكتب على الشاشة في سطور، مثلما يحدث في مناسبات الإعدام المدوي، أو في المناسبات الفاصلة بين عهد وعهد. كانت السطور تأخذ من الواقع ومن الخيال، فطرحت "أم جرير" السيرة للتذكير، كأنما اقنعت الناس بالحكم، وهمّت بالتنفيذ!

* * *
ولعل من أطرف المفارقات، أن تعمدت القناة، تطيير برقية ذات مغزى، تفترض أن صائب عريقات، كان يحث المحتلين، على أن لا يكون للأردن أي دور في الحرم القدسي أو في زهرة المدائن. مكمن المفارقة هنا، يتعلق بما قيل دائماً عن هوى أردني زائد للرجل، منذ شبابه اليافع. لكن ما نأمل أن يستخلصه الأشقاء في الأردن، من هذه البرقية، أهم من ذلك بكثير. فالمحاولة التي تشغل مرجعيات "الجزيرة، لتفكيك الكيانية الوطنية الفلسطينية، ما تزال تجري على المسار نفسه، الذي بدأه كُتّاب الصفحات الداخلية من "الدستور" ذات الجذر الإخونجي. هؤلاء شككوا في جدوى الوطنية الفلسطينية دونما حاجة الى وثائق، بل إن رأس الحركة الإخوانية في الأردن، أدان علناً الحديث عن هوية وطنية فلسطينية، وسمّاها عيباً وغدراً، وذلك في سياق مخالف لتوجهات القصر والمجتمع. إن هؤلاء، تحدثوا في غير مناسبة، عن مآثر إخوانية وجمائل على النظام، وطالبوا بـ "الحق" في التمكين، في مجلس النواب وفي الحكم. وتعمد نذير رشيد، وهو رئيس مخابرات أسبق، أن يفصّل المآثر الإخوانية في هذا السياق، فأصدر كتاب مذكراته، بطبعة فاخرة، وتعمد تثبيت "جمائل" الإخوان في العام 1957 ثم استضافته "الجزيرة" لكي يستحثة ذو الحواجب المتراقصة، في برنامج "شاهد على العصر" على التمادي في تشويه تاريخ حركة النضال الفلسطيني، وتحويل معارك أيامها وكفاحها الى أقاصيص ساذجة. ثقتنا كبيرة بأن الأشقاء في الأردن، قادرون على استخلاص المغزى. نحن هنا لا ندافع عن صائب أو عن سواه. تكفينا قناعتنا الراسخة بمواقف الرئيس أبو مازن حيال قضيته وحيال شعبه وأشقائه. أما بقية الحكاية المبتغاة، على صعيد الأردن العزيز، فإنها معلومة لكل مواطن في شرقي النهر. إن هؤلاء الذين أخذوا يمسرحون أفكارهم ومراميهم، بمفردات فلسطين، يبتغون توسيع دائرة الصراعات، وهذا ليس مجال حديثنا الآن. أما الذي عرضته "أم جرير" فإنه ـ مثلما أشرت ـ لا يستحق النقاش!
www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com