الوضع القائم أفضل من القادم

2009-12-01 07:21:00

راية نيوز: تشكلت السلطة الوطنية الفلسطينية، بقرار صادر عن المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة في 10 أكتوبر عام 1993، جاء ذلك بعد توقيع إتفاق أوسلو في 13 سبتمبر عام 1993 في واشنطن، وبهذا القرار فقد تشكل مُكون سياسي فلسطيني جديد صلاحياته محددة وفقا لاتفاق 'إعلان المبادئ' بين 'منظمة التحرير الفلسطينية' وبين 'إسرائيل'، ومرتبطة بشكل كلي بهذا الاتفاق من حيث المهام والصلاحيات وطبيعة الأجهزة والجغرافيا التي يستطيع هذا التكوين الجديد أن يبسط سيطرته عليها، وفقا لقوانينه ولوائحه، ولتنفيذ ذلك نتجت أجهزة، أهمها رئاسة السلطة الوطنية، الحكومة (السلطة التنفيذية) والمجلس التشريعي الفلسطيني (السلطة التشريعية) والقضاء (السلطة القضائية)، ولتنظيم العلاقة بين هذه المكونات التي أفرزت نتيجة لإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، تم صياغة القانون الأساسي الذي أصبح يحكم العلاقة بين السلطات الثلاث، وحددت صلاحيات ومهام كل سلطة بما فيها الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب، كل هذا جاء كقاعدة لصياغة العلاقة المتبادلة بين السلطة والشعب، حيث تم التعامل مع 'القانون الأساسي' باعتباره مؤقت ومرتبط بطبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ولكنه حدد في مقدمته بأنه ' يستمد قوته من إرادة الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة............، وفي الوقت نفسه فان وضع هذا القانون، وإقراره من قبل المجلس التشريعي، ينطلق من حقيقة أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني'، وهنا يتم التأكيد على أن المنظمة تعتبر أعلى هيئة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وبما فيها التكوين السياسي الجديد صاحب الولاية المحددة وفقا لاتفاق عقدته أصلا منظمة التحرير، إذا السلطة الوطنية الفلسطينية، وبرغم أنها شخصية مستقلة بحد ذاتها بسبب تعبيراتها الواضحة كقانون وأجهزة، إلا أنها ليست مفصولة عن قائد الشعب وممثله الوحيد، ألا وهي المنظمة بمؤسساتها المختلفة.

بدأت مقدمتي هذه في خضم الحديث المتواصل عن الخيارات المطلوب اتخاذها قبل حلول موعد الرابع والعشرين من يناير، هناك مقترحات وسيناريوهات متعددة، أهمها أن يَحِل المجلس المركزي الفلسطيني مكان المجلس التشريعي وأن يتم التمديد للرئيس، بعد أن يتم حل المجلس التشريعي من قبل من أنشأ السلطة الوطنية الفلسطينية، وهناك من يدعو لبقاء الوضع على حاله، وآخرين يرون أن المركزي والوطني وحتى المنظمة غير مؤهلة بشكلها الحالي لان تكون هي صاحبة القرار والولاية، المهم أن هناك تفكير في البدائل للواقع السياسي الفلسطيني المشلول نتيجة للانقسام الحاصل بين الضفة وغزة، فطبيعة النظام السياسي السابق أثبت فشله على أرض الواقع ولا بدَّ من التفكير بشكل جدي بتطويره وتغييره، فالانتخابات لن تحدث دون توافق، وهذا ثبت من خلال إلغاء الانتخابات التي تم الدعوة لها في 24 يناير، بسبب عدم قدرة لجنة الانتخابات المركزية على إجرائها في غزة والقدس، خاصة أن روح وعصب التشكيلة السياسية للسلطة الوطنية مرجعيتها الشعب كمصدر للسلطات (المادة2) في القانون الأساسي المؤقت، والمؤسسات بحاجة لتجديد، بدءا من الرئاسة وانتهاءً بالتشريعي وفق المادة '36' و '47' من نفس القانون، الشعب أصبح مغيب وهنا تغيب معه المؤسسة بمفهومها الشرعي وفقا للقانون لصالح مفهوم آخر يحاول البعض فرضه تحت عنوان التوافق بين القوى السياسية باعتبارها تعبر عن وتمثل أكبر شريحة من الشعب، خاصة أن الخلاف يتعدى السلطة ليشمل أيضا ممثل الشعب الفلسطيني الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية.

إن هذه المقاربات التي أصبحت بمجموعها تشكل معضلة وليس حلاً، بحاجة لإعادة صياغة من جديد وفي كافة جوانبها، وقد حصل تقدم بهذا الجانب في حوارات 'القاهرة'، بحيث أن مجموعها يبنى عليه في تشكيل مفهوم جديد للنظام السياسي الفلسطيني، فموضوع إصلاح المنظمة والانتخابات النسبية الكاملة للمجلس الوطني حيثما أمكن، والموافقة على قانون الانتخابات الجديد بنسبة 75% نسبي و 25% دوائر مباشرة، وإعتماد القانون الأساسي كمرجعية، تشكل بحد ذاتها بدايات التغيير، ولكن السؤال يبقى دائما، ما الحل في ظل عدم التوافق على الانتخابات؟ وما الحل في ظل وجود مرجعيات مختلفة لكل فريق؟ رغم إدعاء الجميع بأن الشعب هو المرجعية، وهنا لا بدَّ من التأكيد على أن كل شيء تم التوافق عليه دون توقيع يبقى مجرد حبرا على ورق ولا يؤخذ به إلا حينما يتم تنفيذه، ولا بد من الإشارة إلى أن مرجعيات الشعب الفلسطيني تبقى كما هي، وكما عرفناها بالمفهوم القانوني والشرعي، لحين ظهور شيء آخر يتم الاتفاق عليه، فالمنظمة بشكلها الحالي حتى بعدم وجود قسم مهم من القوى السياسية غير ممثل فيها، هي الشرعية وهي صاحبة الولاية القانونية على الشعب الفلسطيني، والرئيس الفلسطيني المنتخب هو من يمثل السلطة الوطنية ويتحدث باسمها بشكل كامل في ظل وجود أو غياب المجلس التشريعي نتيجة للانقسام، وهذا نظريا يمكن الاعتماد عليه والأخذ به بشكل كامل، ولكن واقع الأمر يظهر شيئا آخر، فغزة يحكمها خاطفيها، والضفة يحكمها رئيسها المنتخب، والشعب الفلسطيني منقسم على بعضه البعض، ومجزأ واقعيا كنظام سياسي في المناطق التي له الولاية عليها نسبيا ووفقا 'لاتفاق مبادئ' انتهى مفعوله الفعلي ولا يزال هو الحكم رغم ذلك دوليا وإقليميا.

إن الحل، عرضته مؤسسة 'بدائل' الفلسطينية في تقريرها 'أبعاد ودلالات قرار الرئيس محمود عباس بعدم الترشح لولاية ثانية أو الاستقالة'، حيث طرحت، 'إبقاء الوضع على ما هو عليه، على أساس أن هناك في القانون تفريقا بين المدة القانونية والولاية القانونية، فلا يجوز للرئيس أو للمجلس التشريعي أن ينسحبا دون وجود رئيس آخر ومجلس تشريعي آخر ليحل محلهما'، على أن يتم إعطاء صلاحية للمجلس المركزي الفلسطيني للمراقبة على عمل السلطة التنفيذية لحين التوصل لاتفاق بين القوى السياسية الفلسطينية المختلفة، وإيجاد صيغة توافق تجمع الإخوة وتغير النظام السياسي الفلسطيني القائم وفقا لطبيعة التغيرات الكبيرة التي طرأت عليه منذ تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية وحتى اليوم، وأي خطوة أخرى كحل المجلس التشريعي الفلسطيني، ستؤدي لتعميق الانقسام وزيادة الجراح، في وقت نحن بأمس الحاجة فيه لأن نلتفت للمعركة الرئيسية والمتمثلة في الحديث عن فشل العملية السلمية والمفاوضات كطريق وحيد لحل المشكلة الفلسطينية، والتفكير بالذهاب لمجلس الأمن لترسيم حدود الدولة الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية، رغم تحفظي الشخصي على هذا التوجه، وقناعاتي بأن ذلك سيعقد الأمور أكثر مما هي عليه الآن، فالبحث عن حلول أفضل من البحث في تعقيد الأمور في ظل وضع دولي وإقليمي وإنقسام فلسطيني كالذي نعيشه.

بقاء الوضع القائم كما هو عليه الآن أفضل من القادم الذي يتم الترتيب له، مع تأكيد المجلس المركزي على أحقية إستمرار الرئيس بمهامه، وأخذه لدور رقابي مؤقت، هما الحل الممكن، والحل الذي يجنبنا مزيدا من التجزؤ، ومزيدا من التفكك كنظام سياسي يمثل الشعب الفلسطيني ككل، وفي نفس الوقت، تستمر الجهود في 'قاهرة المعز' للبحث عن حلول خلاقة لتوقيع إتفاق المصالحة الفلسطينية، وإعتماد مفهوم جديد في شكل وتمثيل مؤسسات الشعب الفلسطيني وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، فلا داعي للعجلة في إتخاذ قرارات مصيرية، ونحن نعيش حالة من الجمود السياسي في العملية السلمية، ووضع لا يبشر أبدا بوجود أفق حقيقي لأي إتفاق ينهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.