الهروب الى الكارثة

2011-01-27 06:52:00

راية نيوز: ارادة الشعوب لا تعرف المستحيل وهي قادرة على صنع المعجزات لنفسها مالم ياتي ذلك في سياق التطور الطبيعي .
انتهت اعمال القمة العربية الاقتصادية الثانية التي انعقدت في منتجع شرم الشيخ ، اذ تزامنت مع تحديات كبرى تواجه العالم العربي الرسمي بشكل خاص ليس فقط على المستوى السياسي فحسب ، بل يطال مختلف اوجه مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية اقل ما يقال فيها بانها " ثورة البراكين المتتابعة " بكل ما يحمله هذا الوصف من معاني ، واكثر ما يميز هذه القمة تداعيات ما بعد انتصار ثورة الجياع في تونس التي القت بظلالها على جدول اعمالها ، حيث دقت ناقوس الخطر الداهم عاجلا أو آجلا بوجه الجميع اضحت تهدد اسس ومرتكزات النظام العربي السائد منذ عقود نتيجة تجاهل الانظمة الرسمية العربية تطلعات شعوبها في مجالات التنمية ومواكبة التطور الاقتصادي والديمقراطي ومعالجة مشاكل البطالة والفقر وتدني مستوى المعيشه وكذا هجرة الادمغة وهروب الايدي العاملة الماهرة للبحث عن فرص عمل قد يجدونها في دول اخرى غير عربية ، بينما تبدد الثروات الوطنية على صفقات الاسلحة الفائضة ناقصة التطور المكدسة في مخازن البنتاغون تقدر بمئات المليارات من الدولارات لا تستخدم الا في مواجهةالشعوب او يأكلها الصدأ في مشاجبها ، بينما تعود فوائد هذه الصفقات بما يخدم طغيان الاقتصاديات المهيمنة على الاسواق العالمية ، وانقاذها من الانهيار جراء أسوأ الازمات الاقتصادية التي يمر بها النظام الرأسمالي منذ عقود ، وما تبقى من هذه الثروات تتركز بأيدي حفنه من الحكام يتم ترحيلها الى البنوك الاجنبية خوفا من ساعة الحساب وغضب الشعوب عندما ينفجر ...
لا تختلف هذه القمة عن غيرها من القمم الاخرى بالرغم من كونها اقتصادية الطابع ، حيث اخذ الجانب البرتوكولي الحيز الاهم ، وبدلا من ان تكون الزلازل المنتظرةفي السودان واليمن ولبنان وفلسطين وغيرهما عوامل تحفيز للمعالجات الحقيقية نحو بناء اقتصاد عربي تكاملي وانشاء سوق عربي مشترك على غرار التكتلات الاقتصادية في اوروبا وامريكا اللاتينية واسيا انتهج العرب طريق تجاهل الازمات مما يزيد اتساع الهوة بين الانظمة وعامة الشعوب ، مع ان درس تونس لا يزال ماثلا امامها حيث اكدت الوقائع ان القمع وسياسة العصا الغليظة لم تعد قادرة على اسكات الشعوب على الظلم والفساد ..
كان من المؤمل ان تقف القمة بشكل جاد والاضطلاع بمسؤولياتها القومية والاخلاقية تجاه ما يجري من عدوان وحصار جائر على الشعب الفلسطيني خاصة ما تتعرض له مدينة القدس ، اذ لم يطلب الوفد الفلسطيني " تجييش الجيوش واعلان النفير العام لتحرير القدس لعلمه ان صلاح الدين لن يعود ثانية " بل طالب اقرار رزمة مشاريع اقتصادية بهدف مواجهة عدوان وعربدة جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه بما يعزز صمود المواطن على ارضه والدفاع عن مقدساته وممتلكاته مع ان كلفة هذه المشاريع لاتتجاوز اربعمائة وثلاثين مليون دولار ، لا تساوي شيئا من ثروة حاكم في بلد فقير يحتكم على اكثر من ستة مليارات دولار كما تفيد الانباء ، بل لا يساوي ما يقدمه شخص المقامر اليهودي المعروف " موسكوفيتش " للجمعيات الاستيطانية لغرض بناء الاف الوحدات الاستيطانية في شرق مدينة القدس .
لعل ما يثير الغرابة تلك الذرائع التي ساقها وزراء الاقتصاد العرب بأن هذه المشاريع " العملاقة " في مدينة القدس تحتاج الى دراسة وافية وربما دراسة جدوى وبالتالي لابد من احالتها الى القمة العربية القادمة المزمع عقدها في بغداد ، وكأن القمة العربية اوفت بالتزاماتها تجاه صندوق القدس والاقصى الذي اقرته القمة السابقة في مدينة سرت الليبية حيث رصدت مبلغ خمسمائة مليون دولار لم يصل منها سوى سبعة وثلاثين مليون دولار اي بنسبة ما يقارب سبعة بالمائة من مجمل المبلغ المذكور ، لقد اصبح المواطن العربي في حيره من امره ولا يستطيع ان يفهم كيف هبت دول الاتحاد الاوروبي لانقاذ اقتصاديات اليونان ، وايرلنده ودول اخرى من الانهيار المحتوم وقدمت المليارات للخروج من ازماتها ، بينما لم يتمكن القادة العرب اللذين تجمعهم اللغة الواحدة والدين والعادات والثقافة من مساعدة اقدس قضية عادلة عند العرب والمسلمين وانقاذها من براثن الاحتلال والتهويد واجراءات الفصل العنصري وهم قادرين على فعل الكثير من اجل ان تنعم القدس بالحرية وتصبح عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وبالتالي تعيد للامة مكانتها واحترامها اللائق الذي تستحقه على الخريطة الدولية ، من المفارقات المثيرة ان نرى اندماج التكتلات الاقتصادية الكبرى ووحدة اتجاهاتها وقوانينها وبالتالي مجتمعاتها ، يحدث العكس تماما لدى الدول العربية اذ تتفاقم الازمات السياسية وتتصاعد وتائر التوترات العرقية والمذهبية وتزداد دعوات الانفصال والانقسام الى ان ضاقت الرؤيا لدى هذه الانظمة وعاجزة عن فعل شئ واصبحت نظرتها للامور لا تتعدى الحفاظ على دائرة الحكم لاطول مدة ممكنه .
ليس هناك من بد سوى وقفه صادقة تعيد تقييم المرحلة السابقة الطويلة الامد والتأشير على مكامن الاخفاقات في مسيرة العمل العربي نحو اعادة الاعتبار للمشروع القومي العربي الذي انحسرت اثاره شيئا فشيئا نحو القطرية والتقوقع مما يؤدي حتما الى شرذمة الدولة الواحدة لتصبح عدة دويلات يسهل السيطرة عليها وعلى مقدراتها ومقدرات شعوبها ، ان تحديد الاولويات تكمن في استعادة المباردة العربية وحل كافة الخلافات على قاعدة المصالح العليا والمصير المشترك ، وتوحيد الجهود والطاقات لاستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعه والالتفات الى تنمية الموارد البشرية من خلال اشاعه مناخ الديمقراطية والحرية والاهتمام بالانسان العربي الذي يشكل العامل الرئيسي لعوامل النجاح والاخفاق ، دون ذلك سيبقى النظام العربي اسير التبعية والوصاية لطغيان القوة الغاشمة الذي تمثله الولايات المتحدة الامريكية الحليف الطبيعي والاستراتيجي لدولة الاحتلال ، تلك هي ما افرزته تجربة العالم العربي خلال سنوات الصراع العربي الاسرائيلي .

 

عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية