تضامنت مع ثورة مصر..فإذ برأسي تحت يدي “الجنرال”
راية نيوز: من نافذة دورة المياه في غرفة الحجز بالمباحث العامة في مبنى الجوازات يوم الاثنين الماضي31-1-2011، لمحتها دافئة جميلة أبية نقية وخلفيتها سماء زرقاء، على عكس سجني البارد القبيح المذل الملوث بالكراهية، بذاك الهدوء وميلها المتسامح مع الريح بثت الطمأنينة في قلبي رغم كل ألمي المحيط بي بين سجانات ومحققات أقل ما يقال عنهن أنهن ظالمات. إنها شجرة الكينيا التي ظلت ترافقني منذ طفولتي التعيسة في مخيم رفح حتى هذه اللحظات المؤلمة.
لم أكن أعرف أن شجرة الكينيا ستكون رمزا لشموخ وطمأنينية في عدة إحتلالات بحياتي بدأت منذ الانتفاضة الأولى إذ كنت أذهب إلى المدرسة الابتدائية في أواخر الثمانينات مرتعبة من الجنود الاسرائليين ومختبئة في أول "خص" دجاج نقابله نحن اللواتي كانت أحجامنا الصغيرة وقتها تجعلنا نغطس بأي فتحة عند الجيران، وفي لحظات الخوف واللهاث والدخان تلك والصراخ كنت على الدوام ألمح أوراق شجرة الكينيا هادئة كأنها عقد من لآلئ خضراء متراصة، وتغلق الألم وتضفي صمتا فلا نعد سوى أنا وهي في المشهد.
قبل خمسة أيام كانت معي لآلئ شجرة الكينيا هذه في قاعة الحجز بمبنى المباحث العامة بغزة، حين أهانتنا وتعمدت إذلالنا ثلاث فتيات من الشرطة النسائية، فكلهن غير متزوجات ولم يتجاوزن الخمسة والعشرين عاما، وأسمائهن هي -فعلى ما يبدو ينسين وينادين بعضهن البعض بأسمائهن الحقيقية لأنهن غير جديات في السرية كما هم رجال الشرطة الذين يحرصون على كنيات أبو النور وأبو المعتصم-: أسماء وروان وماجدة وهي الوحيدة التي لا ترتدي نقابا -وأرجو أن تتذكروها جيدا لأن سيكون لها دورا رئيسيا في قصتنا-.
بدأت الحكاية حين قرأت على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، قائد ثورات القرن الواحد والعشرين، عن دعوة إلى اعتصام تضامني مع ثورة مصر النقية، وحين وجدت أن هناك ما يزيد عن الأربعمائة شخصية مستقلة وحقوقية معظمها من قطاع غزة وليست أيا منها حزبية بالتأكيد علقت بإصراري على الحضور، ولم يكن واضحا من الذي ينظم هذا الاعتصام.
وفي يوم الاثنين الساعة الثانية توجهت إلى حديقة الجندي المجهول وأنا خالية من أجهزة التكنولوجيا تحسباً لأي طارئ إلا من موبايلي، ووجدت هناك الزميلتين في العالم الافتراضي -وأقصد في التدوين وعلى موقعي تويتر والفيس بوك- الصحافية في الجزيرة توك نازك أبو رحمة والمخرجة المستقلة رزان المدهون، ولم أكن في الواقع قريبة منهن قبل ذلك، فتعارفنا سريعاً وأكدتا لي أن أحد أعضاء المجلس التشريعي عن كتلة حماس قال لهما أن الاعتصام غير موافق عليه رغم الاشعار به، ولكن في كل الأحوال وعدهن بعدم قمعه حتى لو جاءت الشرطة.
ولم تكد رزان تنهي حديثها حتى وجدنا سيارات عسكرية ومدنية وضباط من المباحث لايرتدون زيهم الرسمي، يحيطون بالصحافيين والحقوقيين والمدونيين الذكور الذين انضموا إلينا خلال دقائق معدودة، وكانت أولى محاولات الاعتقال للصحافي فارس الغول والمدون بشار لبد، والحقوقي مصطفى ابراهيم.
وسحبوا بطاقتي الغول ولبد، وطردوا الصحافي أحمد الضبة من المكان وتراجعوا عن اعتقال الحقوقي مصطفى ابراهيم بعدما عرفوا انه يعمل في إحدى المؤسسات الحقوقية، وحين رأينا نحن الأربعة بعدما انضمت إلينا الطالبة الجامعية والمدونة إباء رزق أن الوضع متوتر ولأننا لا نريد أية مشاكل قررنا الانسحاب من كل المكان خاصة أنه ليس أيا منا صاحبة الدعوة على الفيس بوك، لكننا صدمنا بوقوف سيارة عسكرية بيضاء -ذاتها التي حملت الشباب في اعتصام شارك يوم الخامس من ديسمبر الماضي- ملاصقة لنا ونزول بعض رجال الأمن والذين كانوا أكثر عنفا حيث سحبوا جهازيّ الموبايل لاباء ورزان، واعتقلوا المذيع في صوت الشعب رامي مراد والمترجم محمد الزعيم ووضعوهما في سيارة ماجنوم خضراء، زجاجها معتم.
وبعدها جاء أحدهم لينادي على رزان المدهون وبدأ يسحبها من يدها ونحن نمسكها من الجهة الأخرى ونازك تصرخ:" مش انت بتقول حرام تلمس إمرأة غريبة.. اتركها" حتى تحول معصم المدهون إلى لون أزرق من عنف ضابط المباحث، وما هي إلا ثوان حتى نادى أحدهم:" الشرطة النسائية" لأنه على ما يبدو لا يستطيع ان يمسك أكثر من معصم إمرأة، فوجدنا إمرأتين ضخمتين بجلباب أزرق وحجاب رمادي وعرفنا فيما بعد أنهما ماجدة وروان، تمسكان بالمدهون، ثم قرر رجال الأمن فجأة أن يأخذوا نازك فهجمت عليها الشرطيتان أيضا، وأنا التي كنت أعتقد أن حجمي ضخما وأداوم على الرجييم منذ ثلاثة أعوام عرفت أني في نعيم بعدها..ولم أستطع مقاومة قوتهما فتوجهت حيث كان الحقوقي مصطفى ابراهيم واقفا، وسمعت رجل أمن يقول للشرطية: "اتركي الغول، لسة احنا بنحضر إلها شيء تاني"، ويبدو أنه غير رأيه، لأني وجدت غرابا ضخما يحط على كتفي ويزحيني من مكاني وكانت هذه يد احدى الشرطيات حيث قالت لي أن الضابط غير رأيه ويريدني، وأدخلونا جميعا في سيارة مدنية لونها احمر غامق بلوحة أرقام حمراء، فعلى ما يبدو أنها ارث من سلطة قديمة.
وركبت إلى جانب السائق وكانت كل من رزان ونازك في الخلف، وإحداهما قالت لي: "غريبة أننا تعارفنا في هذه الظروف"، والسائق والشرطية أخذا يشتماننا، وحين وصلت السيارة إلى مبنى المباحث وضعونا في غرفة بالمكتب بعد أن أخذوا منا كل متعلقاتنا، واستمروا بالشتم، وسرعان ما جاءت سيارة أخرى بالمدونة الزميلة إباء، وجاء أحد الضباط والذي سألته: "اذا كان هو حسن س"، فرد: "آه"، ثم سكت متردداً ونفى قائلاً: " لا، ولماذا تسألين كي تكتبي عنه في الفيس بوك"، قلت: "لا، بل أريد أن أقابله شخصياً، عندي فضول".
وبعدها فصلوني عن بقية الفتيات، وحين سألته إباء : "وين ماخد البنت"، رد بسخرية: "هاي مش بنت، هاي صحافية قديرة"، ووضعني في صالة لوحدي، وجاء بعدها بدقائق يحاول أن يمارس دور رجل الدين الداعي المهدي حين صرخ كأنه يملك صوت الحق: "وحّدي الله"، فقلت له: "لا تتكلم معي سوى بالقانون"، ثم جاء وسألني عن موبايلي ولونه وأعطيته المواصفات، وبعد حوالي نصف ساعة جرجروا جميع الفتيات إلى الصالة التي أجلس بها ووجدت ان عددهن زاد فليس هناك رزان ونازك واباء فقط، بل هناك الصبية سكاب سورجيو التي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها وكانت قد انضمت للاعتصام في الجندي بعد اعتقالنا فأخذوها من هناك، وكذلك عبير أيوب وهي صحافية تعمل في الهيومن رايتس ووتش وجعلها رجل الأمن غصبا عنها تلحقه شبه راكضة وهو يقود دراجته النارية.
وهكذا بدأ مسلسل الاهانة والصراخ والتشكيك في إنتمائنا وديننا حتى حين طلبت بعض المحتجزات المصلية للصلاة أخذ بعض من عناصر الأمن يسخرون منهن رغم أنهن يرتدين الجلباب والمنديل، فما بالكم ماذا قالوا لمن لا ترتدي الحجاب مثلي؟، كل ما يخطر على بالكم من نفي عني الاسلام والدين والاخلاق، انطلاقا من قناعة غريبة أنهم هم فقط صوت الحقيقية والدين، ويجب أن ينفوا كل آخر غيرهم حتى لو كان الاخر قريبا منهم مثل الزميلات اللواتي كن في الجحز معنا ويرتدين الزي الشرعي الذي من المفترض أنه متناسب مع قناعة حكومتنا الثيوقراطية، لكن ذلك دون فائدة فقد وصفوهن بأبشع الكلمات، وهذا يدل ان الأمر كله سياسي ولا يتعلق بالدين، بل أن تكون نسخة عنهم وتابعا لهم في الوجهة السياسية ومنصاعا، وحكاية الدين ما هي إلا غطاء لمحاكمة الجميع باسم الله والجنة والنار.
وهكذا حاول الضابطان "حسن وأبو النور" إخافتنا بالصراخ والسباب حين كانت الشرطيات يعجزن عن التعامل معنا خاصة أن إحداهن كانت مستعجلة تريد أن تحضر عرس لقريبتها!!، وبدأن يأخذن الافادات ووضعوني على كرسي وحدي حتى انتهاء الفتيات من الافادات التي لم تفهمها الضابطة بأكملها فكان يلزم الفتيات أن يشرحن لها ما هو الفيس بوك، وكيف أنه من الصعب أن نعرف صانع صفحة الدعوة للاعتصام على الفيس اذا لم يضع اسمه، كذلك شرحن لها أننا لم نعمل شير أو مشاركة للصفحة، كن يتسمن بجهل الكتروني غريب، كذلك حين أصرت ماجدة أن تكتب عن الفتيات بصيغة المذكر وهنا تدخلتُ غيظاً، وقلت لها أن هذا ظلم لُغوي لها ولنا، ويجب أن تكتب عزباء وليس أعزب ولكنها أجابت: "أنا بعرف بس متعودة على هيك".
وأخذ الافادات من الفتيات تم بعد ان قام أبو النور بتصويرنا حين أمسكت كل واحدة بطاقة بيضاء عليها اسمها وعنوانها، كأننا مجرمات يشهدن على ملفهن الأمني، وحين ابتسمت نازك ساخرة، هددها بضربها "على بوزها" هذا الذي يسمى أبو النور وما هو إلا ابو الظلام، واستخدم معي العنف ذاته حين هددني بعد أن وضع قلما موجها سنه الحاد نحو خدي الايمن، وهو يصرخ: "راح أكسر رأسك اذا ما حكتيش".
وعنف أبو النور كان لاحقا لعنف من نوع آخر عنف إمرأة نحو إمرأة، فقد سألت إحدى الفتيات المحتجزات الجنرال ماجدة إذا كانت ستأخذ إفادتي، فخرجت الشرطية تسأل ورجعت مخرجة جميع الفتيات من غرفة التحقيق بحسم، وأغلقت الباب...
لحظتها عرفت أنها أخذت أوامر بضربي أنا بالذات فيبدو أن شرطة غزة تريد أن تلقنني درسا عنيفا وبهذه النية الخبيثة التي جاءت بها الشرطية والتي كانت واضحة على عينين الضابط "حسن س"، والتحضير غير المسبوق لي دون الأخريات، عرفت لحظتها كما أنا موقنة الآن من أرسل لي على مدونتي يوم العاشر من نوفمبر الماضي تهديدا بقتلي وحرقي وإيذاء ابني، والمضحك أن المباحث هي الجهة التي وصلتها شكوتي بعدما قدمتها إلى شرطة العباس.. وكل شيء حدث معي في هذا اليوم التاريخي في سيرتي الذاتية داخل المباحث العامة جعلني أتأكد أن المباحث تعتبرني محرضة أولى ضدها وليس غريباً ان تكون هي التي هددتني بالقتل سواء كان أحد ضباطها من فعل ذلك أو ضابط من جهاز الأمن الداخلي..
ودعوني أرجع معكم إلى قصة عنف المرأة للمرأة، فبعد أن أغلقت ماجدة الباب أمرتني والتي يسميها والدها الجنرال كما قالت لنا فيما بعد، أمرتني ان أقف بجانب الجدار، وسألتني: "من صاحب الدعوة للاعتصام؟"، فأجبت: "بعرفش" فضربتني كف بعنف بيدها الضخمة على خدي الأيسر، ثم أخذت الشرطية التي تدعى أسماء وترتدي نقاباً ولها عينين خضراوين مخيفتين بمحاولة ابتزازي حين قالت : "انت هنا ليس بسبب الاعتصام بل لأسباب تعرفينها"، فلم أرد عليها بل شعرت أن المشهد كله خرج فجأة من إحدى روايات البيست سيلر الأجنبية التي قرأتها مراراً.. انه مشهد بين السجان الظالم العنيف الخالي من القلب والضحية العادلة المظلومة، يشبه موقف لبطل الروائي الفرنسي ألبير كامو في الغريب، أو ملهاة من كتابات بلزاك، أو ليلة من ليالي ضحايا مستغانمي من أبطال الجزائر الذين ظلمتهم الحكومة قبل الاحتلال في مدينة قسنطينة، فلم أتأثر لمحاولة ابتزازها، وحينها امسكتني الجنرال ماجدة التي لا ترتدي نقابا على غير العادة من شعري وأخذت تحركني يمينا ويسارا وهي تقول: "أنت من نظم الاعتصام"، وانا أردد: "غير صحيح"، وهنا تابعت الشرطية اسماء: "ولكن مسجات موبايلك تقول غير ذلك"، فأجبتها: "غير صحيح لا توجد عندي مسجات تخص الاعتصام"، وهنا فتحت روان الشرطية الثالثة الباب محرجة تطلب من الجنرال للمرة الثانية اخفاض صوتها لان الفتيات في الصالة ينصتون إليها، وأيقنتُ في تلك اللحظة أني احتاج شاهدا على ما يحدث لي، فصرختُ بصوت عال: "ليش انت بتضربيني؟"، ونظرت من الباب الذي كان على جانبي فمدت الزميلة رزان المدهون رأسها وفي الوقت نفسه امسكت الجنرال شعري ودفعت بي مرة أخرى، وهنا حصلتُ على شاهد عيان حي على ضربي إضافة الى أربعة أخريات سمعن صوت الضرب العنيف على صفحتيّ وجهي، وأكملتُ أقول للجنرال: "أني سأشكوها، وما تفعله يخالف القانون المحلي والدولي، وحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير"، وطبعا أخذت كلامي بسخرية وقالت: "أنت عندي متهمة ولست صحافية"، فأجبت: "المتهم بريء حتى تثبت ادانته، وحتى أنك لم تأخذي إفادتي".
لأعترف: في بداية حجزي شعرت بالخوف وسمعت دقات قلبي ولكن في كل مرة ذهبت بها لاستخدام "الحمام "طبطبت على روعي شجرة الكينيا، ما جعل احدى الشرطيات تشك أني أذهب لفعل شيء في "الحمام" فكانت كل مرة تفتشني..
أما عن الشعور بالإهانة والإذلال فلم يقترب مني رغم محاولاتهم اليائسة لذلك، لأني أغلقت عقلي عن التأثر وأطفأت وعيي عن الإحساس، وشعرت أن أسماء الكاتبة داخلي ساعدتني كثيرا لتخرجني خارجي فغدوت أراقب واحدة أخرى تُضرَب وتحفظ المشهد جيدا لكتاب مستقبلي يحفظ كل دقيقة مما يحدث في زمن غزة الحالي والقاسي الضائع من عمر مدينتنا الحنون.
وقبل أن أنسى أريد أن أكتب كيف أخذت الجنرال ماجدة تصرخ مع المنقبة أسماء أثناء ضربي أن منظري ليس منظر مسلمة لأني لا أرتدي الحجاب فوجدت القوة لأرد عليها رغم أنها تكاد تخلع شعري من جذوره: "وهل تعتبرين ما تفعلينه من أخلاق المسلمة؟!" وهنا ردتا علي بنفس واحد :"طبعا فنحن نؤدبك"، وعلى الصوت العالي جاء مجموعة من رجال الأمن، وبدأت ماجدة تشكو مني أني "محضرة حالي ولا أستجيب لشيء" وقالت ذلك، وهي تضربني بظاهر كفها على رأسي مكورة أصابعها -ما يسمى البلحة-، وحينها هددني الشيء الذي يسمى بـ"أبو النور" بسن قلمه في خدي...
طبعاً لن أسب ولن أقول أنهم حيوانات كما وصفونا، ولن أحاكم أخلاقهم كما فعلوا، فطوال الوقت يهددون الفتيات بأنهم يستطيعون وضعهن في مكان آخر مع الداعرات والمتهمات بالأخلاقيات، وهو نوع من الابتزاز إلى درجة أن "أبو النور" قارن بين الزانية وغير المحجبة، ولن أدعو عليهم أو أشتمهم فلم أفعل هذا هناك كي أفعله هنا، وكذلك لم تقل أي فتاة من أدبها عليهم رغم قدرتنا على ذلك، والسبب أن كل واحدة منا صحافية ومدونة عندها ثقافة قانونية وتعرف حدود التعرض إلى رجال سلك الشرطة، ونسائه مهما بلغ ظلمهم، وهذا نابع من احترام لذواتنا وليس عن عجز وخوف.
وهذا ما قلته لماجدة الجنرال أني لم أضرب في حياتي أحداً، ولم يضربني أحدٌ لذلك لا اعتقد أني سأسامحها يوماً، وكان هذا ردي حين طلبت مني إفادتي، وقلت لها كان من المفترض أن تأخذي افادتي قبل ضربي وليس بعده، وأضفت أني لا أتحدث مع من يؤمن بالعنف ويعاملني بهذه الوحشية دون وجه حق، وأني سأشكيها إلى المراقب العام لوزارة الداخلية وإلى مراكز حقوق الانسان وكنت أتكلم بكل هدوء، إلى درجة ان ردها فاق توقعاتي الروائية حين قالت: "حقكك على رأسي"، وهنا غامرت وأنا أتوقع أن تضربني مرة أخرى حين طلبت منها أن تقول لي بوضوح أنها آسفة، وبالفعل تجاوز رد الجنرال ماجدة وحشية جنرالات كل الأدبيات الروسية حين قالت: "أنا آسفة"، فأجبتها:" إذن سأعطيك افادتي"، وهنا وضحت أني ذهبت لأشارك في اعتصام داعم لثورة مصر، ولا أدري أي شيء عن منظميه، ولأن الجنرال غير متأكدة من افادتي بدأت تلف وتدور وتسألني أسئلة شخصية عن حياتي، معتقدة أني غبية لأقع في فخ البوح، وهذا ما قلته لها أن محاولتها الترقيع واللطف لن تمحي كونها ضربتني، وحاولت ان تناقشني في امور دينية، وأيضا عرفت هدفها فهي تريد أن تعرف ميولي فأجبتها أنه من الممكن مناقشتها خارج الحجز في أمور الدين، وبكل اللطف الكاذب تابعت الجنرال ماجدة قولها: " لماذا؟ ردي علي، أنا أكلمك بأخوية"، فأجبتها: "اسمعي أنت ضربتيني على عيني اليسار التي أعاني من كسل العصب فيها، كذلك على عملية الغدد اللمفاوية التي تحت ذقني من الجهة اليمنى، والآن أعاني من آلام شديدة رغم تنبيهي لك بذلك، فما الذي سيمنعك أن تستخدمي كل كلمة ضدي، وانا اعطيتك كل معلومات شخصية مسلية من إمرأة لإمرأة عن طليقي ووالد ابني وعن خطيبي، وعن سفري لدراسة الاعلام في الخارج في الوقت الذي طنشت فيه دراستي الجامعية، وعن مدرسة ابني، وخلص انتهى الحكي... وانت أيضاً حكتيلي انك مش متجوزة، وكلكن كذلك، وانتهت قصة المرأة للمرأة، فش اشي تاني اعطيك اياه".
وهنا جاء الضابط "حسن. س" وقال لي: " اجى ابوك بس طلع مش.. لانه مرضيش يوقع"، فبدأت أزمة التعهد غير القانوني الذي طلبت شرطة المباحث من الفتيات التوقيع عليه والذي فيه بنود تتعلق بعدم مخالفة العادات والتقاليد والاسلام والقانون وعدم الخروج بأي اعتصام غير مرخص والمجيء في اي وقت تستدعينا فيه المباحث، ولم توقع الفتيات إلا بعد أن تحول التعهد إلى بند واحد وهو عدم المشاركة باعتصام غير مرخص رغم شرحنا القانوني لهم ان الاعتصام يحتاج اشعارا وليس اذن السلطات او الترخيص كي ننتظر رفضه أو قبوله، ولكن دون فائدة، وبكل الاحوال كان هذا انجازا للفتيات اللواتي وقعن أخيراً على البند الوحيد، واتصلت الشرطة بعائلاتهن، وغادرن رغم اصرار الرائعة إباء على انتظاري ولكني طلبت منها المغادرة، وهنا بكت دموع لن أنساها أبدا، فغضبت الجنرال قائلة: "هذا يدل على انك قائدة لهن"، فأجبتها:" لا، أنا فقط الاكبر سنا"، وغادرت اباء بعد أربع ساعات احتجاز، وبقيت وحدي ساعة أخرى بعد أن اقترح "حسن س" على ماجدة أن تسألني عن اعتصام شارك يوم الخامس من ديسمبر، وأي اعتصام آخر شاركت به فقلت لها لا يوجد سوى اعتصام منتدى الاعلاميين في غزة من اجل الصحفي حمزة الحمارنة الذي اعتقلته رام الله لانه وضع صورا ساخرة لرئيس السلطة محمود عباس على الفيس بوك، وهنا ارتاحت أخيرا الجنرال لأنها انتهت من افادتي ووقعتُ عليها بعد أن قرأتُها ثم وقعتُ تعهد البند الواحد.
وأعرف أن شهادتي طويلة وتدوينتي الأطول من نوعها، وأشكر كل من يقرأها حتى النفس الأخير لأني أتحدث هنا بكليتي الروحانية والجسدية، وسأنتقل إلى الجزء الأخير الذي أعتبره الأخطر من ضربي وهو حين حولوني إلى الضابط المسؤول الذي لم أفلح في معرفة كنيته أو اسمه، ولكنه أسمر ممتلئ الجسم في منتصف الثلاثينات وشعره خفيف في مقدمته، ويجلس بجانبه "حسن س" على مكتب خشبي يتسلى بفحص أجهزة الموبايل التي صادرها من المحتجزين، وقال لي أنه سيخرجني رغم قدرته على سجني، وأن إسمي يتردد عندهم كثيرا في التحريض ضد حكومة غزة، وأنه متأكد من أن هناك مرة قادمة لي عندهم، وحينها سيحتجزني بعد ان يحضّر لي قضية، والتي ستكون حول إلقاء الشبهات حول سفرياتي الكثيرة لأوروبا وأمريكا، فقلت له أن سفرياتي وتمويلها معلن عنها على مدونتي وفي الإعلام، وأني كاتبة وحاصلة على جوائز دولية فمن الطبيعي ان اسافر كثيرا، فحذرني من كتابة أية من "مقالاتي السامة" التي اعتدت كتابتها على حد تعبيره، أو تنظيم والمشاركة في اي احتجاجات او اعتصامات موضحا بالحرف:" نحن نعرف انه في القانون يلزم الاعتصام اشعارا ولكني اقول لك انه لا ينفع معنا هذا فنحن نريد ترخيصا"، ومن ثم قال لي أنه عيب أن أتردد عليهم كثيرا في مكان تتردد عليه متهمات بالاخلاقيات والجرائم، فقلت له، انا هنا لسبب سياسي ولي الفخر أن أكون هنا، فلم يستطيع ان يمنع نفسه من الابتسام ثم بعصبية أضاف: ان هناك قرار سياسي ألا يخرج اي موقف من قطاع غزة مع الثورة في مصر أو ضدها حتى تضح الامور واني لا امثل أحدا، فقلت: بالضبط لاني امثل نفسي ولا امثل الحكومة. وسألني اخيرا: "لماذا سألت عن حسن س في بداية حضورك"، فأجبته لأن "حسن س" تعمد أن يتكلم عن اخلاقي بالسوء إلى شقيقي مصطفى وأهالي الشباب الذين شاركوا باعتصام شارك في شهر ديسمبر، فأردت ان أراه، وهنا صرخ "حسن س" الذي أنكر في أول سؤالي له أنه ذاته حسن س: "انا لم أقل ذلك ..ولا أخشى في الله لومة لائم"، وهنا وضحت له أن هذا الحديث جاء من أكثر من محتجز من الشباب واني قدمت به شكوى بخصوص ذلك. وحينها سألني الضابط عن مسج في جوالي أرسلتها إلى والد ابني حول المصروف، فأجبته بالفعل انا أذكره برسوم مدرسة ابني، وهكذا أعطوني موبايلي ورجعت إلى المنزل مشيا وحدي في المطر كي أخفف من الحنق والألم.
وحين وصلت إلى المنزل عرفت من والدي أنه كان متوجها إلى الاعتصام مع ابني في الجندي، وهناك قالوا له انه تم احتجازي في المباحث فتوجه إليها، وحاول الضابط نفسه أن يجعله يوقع ولكنه رفض ذلك، ثم وجه إلى والدي حديثا غير مؤدب عن تربيته لأبنائه وبناته، فقال له والدي:" أنت موظف هنا ليس لك علاقة بتربية أبنائي تكلم فقط معي بالقانون"، فطردوا والدي وابني من المكتب بكل صفاقة.
وهكذا أتوجه بشهادتي هذه إلى كل معتقلة، ومعتقل ظلمه السجان ورجل الأمن، وإلى حكومة غزة التي أطلب منها ان تكون حكومتنا جميعا وترعى حقوقنا، وليس الذين يوالونها فقط ويدعمونها، وينافقونها، وتضع حدا للظلم باسم الأمن والقانون والدين.