حياتنا - الحياة القبرية

2012-12-19 09:19:00

الموت السريري هو حالة موت طبية يكون فيها المريض شبه ميت وتعيش بعض أعضائه اصطناعياً وإذا رفعت الأجهزة عنه مات. وكان يقال إن العالم العربي يعيش حالة من الموت السريري منذ عقود، حيث توقف الإنتاج والإبداع الخلاق والصناعة واعتمد على بيع ثرواته الطبيعية واستورد كل شيء. وحالياً يعيش العالم العربي حالة موت غير سريرية بل اصطناعية بالاقتتال الداخلي والتباغض والتدخلات الخارجية، واطلاق نماذج غير دينية في سمواته واستيلاد نماذج ديمقراطية تشبه القمعراطية وفوضى عارمة.
فالتغييرات في عالمنا لم تنتج ما هو جديد بل استنسخت القديم القمعي بأشكال جديدة.. ما مورس أيام مبارك يمارس الآن في كل المناحي الاقتصادية والسياسية والانتخابية في مصر ولكن بشكل علني فاضح, وما مورس أيام بن علي والقذافي من قمع يظهر في لوحات قمعية متنامية في تونس وليبيا.. وما تعرض له العراق من دمار كان لا يمكن لنظام صدام حسين أن يدمر واحداً بالمليار منه.. وما تتعرض له سوريا من وبال ما كانت ستتعرض له لو خاضت حرباً كيماوية مدمرة مع إسرائيل. بل إن »المد« الاخواني ليس إلا مرحلة مؤقتة لأنه يمهد للسلفية الجهادية ذات الارتباط مع القاعدة وهي نتاج الغطرسة الغربية الأميركية الإسرائيلية التي تدفع الاعتدال العربي إلى الرد على اليمينية الاستعمارية الغربية بمثلها, فالعالم العربي يمر بمرحلة اضطراب قد تمتد عقوداً كالتي مر بها بعد الحرب العالمية الأولى وتعرض خلالها لأسوأ الاحتلالات الاستعمارية ما أفقده القدرة على التوحد والنهوض حتى تاريخه ولا أمل في قيامته.
يقال إن شركة سويدية انتجت تابوتاً مجهزاً بأحدث وسائل الراحة والتكنولوجيا مع موسيقى وشاشة عرض وأجهزة بث توصل إلى خارج القبر وكل ما يحتاجه الميت من راحة وأجهزة، ربما على أمل أن يكون الموت مريحاً أو يبعث الميت مجدداً.. وهذا الوضع الميت يشبه كثيراً الوضع العربي حالياً حيث بات بين مرشدين، مرشد الأخوان في مصر ومرشد الثورة في إيران وما بينهما الكامخ أي الشعب العربي.. فلا قيامة مرجوة من هكذا وضع ولا ممات دون منغصات. فمن يعارض هذا يقال إنه يعارض الشريعة والسنة والخليفة المنتظر ومن يعارض ذاك يقال إنه يعارض ولاية الفقيه والمذهب الجعفري.. والمهدي المنتظر، عملياً نحن انتقلنا من حالة الموت السريري إلى حالة الحياة القبرية، والأمر سيان بين أنكر ونكير. لذا لا استغرب أن الكثيرين في تونس باتوا لا يترحمون على البوعزيزي.