أحـجــيــة البــرامـيــل

2012-12-26 08:38:00

يا صديقي ارجوك .. أرحني قليلا من أصوات البارود الذي ابتكره ( نوبل ) وابعد عنك أداة ( ميخائيل كلاشنكوف ) وتخلص لبعض الوقت من ذاك الرشاش الذي صنعه ( ميكسيم ) واغلق ضجيج ( ماركوني ) الذي نكبنا بصنع الراديو .. ثم رجاء .. أمسك بيديك الآلة الحاسبة التي ابتكرها ( بليز باسكال )
واضرب وقسم معي كم لدينا من ( النفط ) .. اجمع واطرح وعندما تعرف الناتج خذ ورقة واستعمل قلم الحبر الذي اتحفنا به ( ووترمان ) .. سجل ودون أماكن تواجده كي نحاول معرفة مقدار احتياطه وانتاجه .
لتحديد المواقع استعمل ان شئت تقنية الجي بي اس التي تعمل بالاقمار الصناعية التي تطورت كثيرا منذ ابصرت النور على يد الروسي ( ميكاييل تيخونراقوف ) .

الروسي الاخر ( سيكورسي ) سيساعدنا باختراعه للطائرة المروحية التي ستمكننا من الوصول بسرعة الى اعماق الصحراء القاحلة .. حيث يوجد الذهب الأسود .. لا تخف .. فقد تطورت المروحيات الان وصارت تستعمل كغيرها من الالات .. محرك الاحتراق الداخلي .. والشكر للأميركي ( صامويل براون ) .. أصبحت اسرع  بكثير من ذي قبل .

ولا تخف أيضا من الحريق .. فقد زودنا مواطنه ( جورج وليام ) بعبوة اطفاء الحرائق .. فأصبحت مركباتنا ومرافقنا اكثر أمانا من ذي قبل, واستمر تطوير الطيران لدرجة انه يمكننا ان نطير لـ 12 ساعة متواصلة في الهواء.. بكل راحة واطمئنان .. ونحتسي ( الشاي ) الساخن في الطائرة ونحن نسخر ونضحك بمليء أفواهنا على الاخوين ( رايت ) اللذان شعرا بفرحة غامرة لمجرد طيرانهما لمدة 12 ثانية فقط !! .. 
فلنركب ونتفقد كم لدينا من مخزون إلهي  أعطاه الله لنا .. انه كبير جدا جدا .. لكننا سنحتاج الى سفن بخارية وميكانيكية كتلك التي ابتكرها الفرنسي ( دينيه بابان ) والامريكي ( هيولز ) في قرون مضت , لنتمكن من نقله وتصديره  ... فبتصديره وبيعه يمكننا ان نشتري مصابيح ( اديسون ) و ( نيون ) ونزين بها شوارعنا !

ببيع النفط أيضا سنستطيع جلب ملابس جاهزة وراقية من ماركات نايك واديداس ولاكوست , وحتى ملابسنا المحلية .. يمكننا بيع النفط وجلب آلة ( إزاك سنجر ) الخاصة بالخياطة .. ونخيط بها ملابسنا التقليدية التي لم تعد تناسب ابنائنا المتعلمين المثقفين المنغمسين في الاختراع والابتكار, شوفة عينك !!
يمكننا ايضا مدّ خطوط الهواتف .. وايصالها لكل المنازل .. والضحك على ( جراهام بيل ) الذي اخترع الهاتف دون ان يستطيع الاستمتاع بـ( الرغي ) به كما نفعل الآن .

يمكننا ان نسخر من الجميع , ونتكبر عليهم ..!! .. لأن لدينا ثروة لم نعمل يوما لجلبها , ولم نتعب ليلة للحصول عليها , بل لم نكلف أنفسنا حتى عناء اكتشافها والبحث عنها , حتى جاءنا من جاءنا ليحفروا عندنا بعد أن حفروا في ( بنسلفينيا )

يمكننا أن نسخر ايضا من الأوربيين الذين يعملون صباح مساء في شركات التنقيب والحفر والتكرير في بلداننا .. وفي النهاية يحصلون على 20 % فقط , فيما نحصل نحن على الـ80 % الباقية مقابل نومنا وجهلنا ومد أرجلنا على أفرشة ( الراحة تخصصنا ).

يمكننا أن نضحك على النرويج أيضا , التي تملك ثروة نفطية مثلنا وأكثر , وعدد سكان أقل منّا , وقانونها يقضي بأنه يمنع منعا باتا أن يدخل درهم واحد من اموال النفط الى خزينة الدولة مباشرة , بل يجب ان يتحول إلى استثمار قبل ان يدخل الى الخزينة العامة !

يمكننا أن نسخر من الجمييييع .. لكن يجب أن نتذكر أننا في النهاية محاصرون بهؤلاء حصارا خانقا .. وإلا فأخبرني : ماذا لو تحققت أمنية  بعضهم بأن تدمر وتحرق أوربا وامريكا بما فيها !؟
تخيل ماذا سيحصل لو دمروا فعلا بين يوم وليلة ؟

كم شهرا ستصمد الشركات النفطية بدون اصلاح دوري , وكم سنة ستسير سياراتنا بدون قطع غيار , وكم يوما ستصمد محطات الكهرباء يا ترى ؟

كم شهرا سنستغرق .. حتى نعود للخيام على ضفاف البحيرات , ونملئ منها المياه ونضعها على ظهور الجمال , وننطلق مباشرة نحو ما تبقى من محصول القمح الذي أتى عليه الجراد .. وليس لدينا مبيدات !
وبعد ان نعود للقرون الوسطى خلال أشهر قليلة ونعيش طويلا مع الجمال والخيام .. كم سنة يا ترى سيلزمنا حتى نقتنع أن الثروة الحقيقية التي نملكها هي عقول اطفالنا , وليس نفطنا .. كم سيمر من الزمن حتى نتعلم أن أرواح البشر أهم من البراميل .

لأن عقول البشر هي من حولت تلك البراميل من مجرد أوساخ إلى مادة ثمينة , جعلت بعضهم يصنع ويطور ويقود العالم ويصعد في سلّم التاريخ , وجعلت بعضا آخر يأكلون ويشربون ويصورون ( الزرادي ) ويرفعونها على ( يوتيوب ) ويشاركونها على جدران ( الفايس بوك ) .

متى نتعلم أنه يجب أن نهتم بعقول صغارنا , حتى لا تصبح مثل عقولنا ؟

متى سنقتنع ان علينا فتح مركز واحد للبحث في أي شيء , بدل صف المقاهي المتراصة بجانب بعضها !!

متى ومتى يا ترى ؟

لم يجري الله سبحانه في سننه الكونية أن تسقط حضارات ودول هكذا في يوم وليلة لأن سير الزمن يستمر بين حضارات تسقط في قرون واخرى تنهض في قرون أخرى

دعك من كثرة كلامي وقل لي :هل وصلنا الفندق يا صديقي ؟ .. اصعد إذا من السلم الكهربائي وارسل تحياتي الى مبتكره ( جورج ميلر ) ولنذهب الى غرفتنا لنستمع الى راديو ( ماركوني ) او نشاهد تلفزيون ( جون بيرد ) ولا تنس طبعا ان تشغل رائعة ( كارير ) .. اعني المكيف .. وووووو ... تستمر الحكاية الحزينة .. تستمر لسنيييييين الى ندرك يوما ما .. أننا محاصرون بهؤلاء المذكورة أسماؤهم , وأننا اذا كنا نتكبر على الناس بأموالنا , فإن قيمتنا في سوق الأمم والشعوب ( خمسون سنتا ) وسندرك أيضا في يوم من الأيام .. أن براميل فارغة وعقولا ممتلئة , أفضل من براميل ممتلئة , وعقول فارغة  وسندرك في الدرس يوما .. أن بحيرة نفط على ضفافها قرية يسكنها بشر بعقول فارغة , ليست سوى بحيرة من الأوساخ المزعجة , فاذا اعطينا لهؤلاء الكثير من السلاح والنار .. فإنهم حتما سيحرقون قريتهم عاجلا ام آجلا .
اهتموا بتأمين وترميم وبناء المدارس , مثلما تهتمون بتأمين وترميم وبناء حقول النفط , يومها سنصبح بشرا ذوي قيمة , وإلا فقيمتنا سترتفع وتنخفض مع سهم ( برنت ) و ( الخفيف ) .
عذرا لإطالتي و(نفخي) ......