الفيسبوك يسأل: بماذا تشعرين؟
المشاعر مرآة النفوس، واساسها الذي يتبدل ويبدل، وهي حديقة البوح المجنون بما يعتمل شوقا او ضجرا او ألما او سعادة في النفس، تكشف مداك واسرارك واهتماماتك وتوجهاتك.
البوح على الحائط الفيسبوكي وفي مجتمعاتنا العربية، مشكلة كبيرة، فهل نمتلك ثقافة البوح العام، وهل نستطيع ان نسبح بعيدا في بوح عام بعيدا عن مصالحنا وانتماءاتنا، وهل يصل البوح الخاص الى من يقرأه ويؤثر عليه، وهل متابعته تخلق عينا رقيبة على واضعه؟
هل يدرك الفبسبوك ان الغالبية منا لا تمتلك الا مشاعرها كي تنطق بها، وثقافتنا الخاصة او الاقتباسات بذكر المصدر او دونه وباننا محدودون لانرى احدا الا انفسنا؟ وبان القليل من يملكون القدرة على البوح بما يقلقل النفس؟ وان الكلمة عندنا مصادرة والحقيقة، ان قلناها، تكفي لاندلاع حرب عالمية ثالثة؟
فيما يتعلق بي، اسألني كل يوم، اقلها اضع نفسي على جدول اعمالي وافكر، كيف اشعر اليوم، بماذا احس؟ وربما يخطر لي ان اضع ايضا برنامجا لفرحي وحزني وشوقي وجنوني ورغبتي في كتابة قصيدة او الصراخ او انشاء صداقة جديدة او الذهاب الى العمل او التعطل عن الامل؟ ربما ابرمج يوما كاملا للبكاء واخر للضحك؟ ربما اكون على قائمة الغير ممنوعين من دخول عالمي، اليوم، فاصبح غير محتفى بي على برنامج ازدحاماتي ان اتسع!
ربما ادعو نفسي يوما الى فنجان قهوة معي،واحدثني باسهاب عني واسمع ايضا مني، ونستعيد دروبش وجبران، وربما أنصحني بقراءة بودلير وسيمون دو بوفوار، ربما اقول لي انني احب ان اقرا ايزابيل اللندي و تقول اناي لي انني يجب ان اركز على الشعر اكثر، وان اكتب قصيدة لم تكتب؟
ربما ابوح لي عن حب يقتلعني من يقيني وعن شوق يعصف بي وعن رجل يبعثرني مثل الخريف على مقعد فارغ في حديقة بعيدة، وعن قصيدة كتبتها سرا واخفيتها تحت وسادتي عني؟
ربما، ايضا، أتسع ، ككل العرب، بعد ان افرغ ذاتي، واجدني أدرك اهمية الكلمات المؤثرات في قضايانا العامة، وامل من الحديث عني، وأكف عن استحضار بكائيات ام كلثوم او الذهاب الى السطوح مع اغاني الجيل الجديد واكف عن اعتبار ان العالم يتمحور حول مشاعري التي تعتبر ممارسات يومية متاحة ومباحة لعالم يشغل نفسسه بقضايا فكرية واجتماعية اكبر من نفسه ويسبح في محيطات اكبر من ماء قشرته الآسن!
ربما، يا صديقي، أتعلم ان أحدثك عن مدينة سليبة، ووطن طوله الاف الاحلام، يتم تفصيله عباءات صغيرة، وربما اقول لك يوما كيف اكتشف انني من امام جهاز صغير لا ابني وطنا، وربما أصف لك بنشوة حقيقة طعم اوراق كتاب التهمته مثل رغيف طازج، وكيف تبدو رائحة اكسيد الكبريت في مختبر عندما اجري تجربة ! وربما أنقل لك اصوات اشجار الزيتون التي سمعتها تٌكسر اياديها وارجلها وتقتلع ارواحها وتدوسها اقدام الدبابات في حقل كان يعشق الشمس، وربما اقرأ لك رسالة من اسير او صرخة من أم لها في الاسر اولاد اربعة ! وربما ايضا اخبرك عن صعوبة ترجمة كلمة الى لغة اخرى لشعب اخر لا يعيش احتلالا وظلما مثلنا اريده ان يحس بنا، واخبرك كيف يتحشرج صوت مجرى عين ماء بطعم مجاري المستوطنة القريبة التي تسكب فيه ومن مخلفات مصانع تربض على ارض ابو احمد القريبة!
ربما اتسع اكثر لاقول لك كيف يرانا العالم اليوم اناسا متخلفين منغلقين يثيرهم جسد ويتقاتلون ايهم ينطق باسم الله وكيف يعجنون كلام الله بماء الشهوة والمصلحة لارجاعنا الى مربعات التخلف والجاهلية! وكيف نزهو بانقلابنا على اصولنا وثقافتنا السمحة، ونستعذب طريقة الطيب صالح في تحرير الاوطان و هواجسن كنفاني لبروتوكلات بيعها، عندما تتعارض مع استغراقنا في ذواتنا ومصالحنا ! ربما انصحك ايضا بان تمايز العرب في تصنيفاتك وتسميهم اعرابا وعربانا وعيربون وعرابيب وعريبات حتى يسهل لك ان تفهمهم، فلا طاقة لذكائك الالكتروني باستعياب كل ذلك تحت مسمى واحد، فقط!
ربما يا فسيبوك، تعلمنا اسئلتك اليومية المكررة ان هناك ما يجب ان نشعر به حقا وبشكل مستمر تجاه قضايانا، وانه يوجد حدث مستمر في كل دقيقة في مكان ما وفي بقعة ما خارج حدود انفسنا!!
ربما تكون مدرسة لنا للخروج من تكرار ذواتنا الصغيرة واستعراضها امام اعيننا، وربما تتيح لنا ان نمل قليلا، في بلاد العرب، انفسنا!!!!