"العاشقين" في غزة

2013-01-07 12:24:00

احتلت فرقة العاشقين مساحةً مهمةً في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، حيث كانت أغانيها الحماسية ترفد المشاعر الثورية والوطنية بمعين لا ينضب من القوة والعاطفة والإحالات التراثية والتاريخية والبطولية، كما أن الفرقة بلورت هويةً فنيةً خاصةً بها ارتكزت إلى الوطني والتراثي؛ مما جعلها ربما أشهر فرقة فنية وطنية في تاريخ الثورة الفلسطينية. ليس لأنها أنشدت أهم أغاني الثورة التي مازالت الجماهير ترددها، وليس لأنها استلهمت أهم المراثي الوطنية مثل "من سجن عكا طلعت جنازة" ولا لأنها غنت لكبار الشعراء الفلسطينيين مثل أحمد دحبور وأبو الصادق الحسيني وليس لأنها وقفت على الجرح الفلسطيني وأدمت القلوب وأبكت العيون، وليس لأنها استمرت عقوداً أربعةً رغم محطات التوقف القصرية، وليس لأنها تشكل حالة الاستمرارية بين ذاك الزمن الجميل وبين يومنا المضطرب. ربما إلى جانب ذلك كله لأن "العاشقين" نجحت في أن تكون نموذجاً للفن الفلسطيني الوطني الخالص البعيد عن متاهات الحزبية الضيقة والتائهة في مسالك لحظته الآنية.
لقد تميّز الفن الوطني في السنوات الأخيرة بالكثير من الهبوط في مستوى الكلمات والألحان التي صارت تقتبس من الفيديو كليبات سريعة الإيقاع أو من الدفوف الخليجية والتواشيح الدينية. بالطبع ساهمت جملة كبيرة من الأسباب وراء ذلك ربما أولها التأثر بالتطور العام الذي طرأ على الذائقة الفنية وعلى الأغنية العربية وهذا مثار نقاش آخر. فالغناء العربي شهد حالة تطور بالمعنى الزمني من حيث ملاحقة الإيقاعات الحديثة في الموسيقى العالمية والمزج بين إيقاعاته العربية والكثير من مصادر الإيقاع الأجنبية سواء الغربية أو اللاتينية أو الإفريقية. عزز هذا الميل ثورة المعلومات والتواصل والاتصال ووسائطها التي تركت أثرها على مجمل الحياة في القرن الحادي والعشرين. لكن على أهمية ذلك فإن الظاهرة الأخطر في الأغاني الوطنية المعاصرة أنها شكّلت عملية سطو على التراث الوطني وتحويره لصالح أناشيد ومناحات وربما "صراخ" حزبي وشتائم لا تليق لا بهذا التراث ولا بالحالة الوطنية ولا بالبطولة التي تحاول هذه الأغاني تملقها. ففيما كانت "العاشقين" وبعض الفرق الوطنية الأخرى مثل الفنون الشعبية مثلاً تستلهم هذا التراث من أجل توظيفه في خلق ذائقة وطنية ثورية، فإن الظاهرة الغنائية التي مرت على فلسطين خلال السنوات العشر الماضية في أقرب حال شكلت عملية سطو على التراث واغتصاب له. كنت تسمع أغاني حزبية تحريضية فتقول لنفسك إنها تشبه تلك الأغنية التي كنا نسمعها ونحن أطفال وتظن مخطئاً أنك تسمع ذات الأغنية لتكتشف أن الإيقاع التراثي الذي يمس روحك ويلمس قلبك أعيد إنتاجه ولكن بكلمات سب وشتم وتخوين وتكفير للآخرين. طبعاً يمكن لدراسة مطولة يقوم بها مختص أن يكتشف كيف تم السطو مثلاً على قصيدة "الثلاثاء الحمراء" وعلى الإيقاع الفني على جل أغاني العاشقين، كما يمكن الاستدلال كيف كان يتم السطو على الذاكرة الجمعية في الإحالات المموسقة من أجل إضفاء شرعية على الأغاني الجديدة.
بالطبع ليس من عيب تطوير التراث من أجل أن يكون أكثر استجابة لتطورات العصر شرط ألا يفقد التراث روحه أمام عملية المدرنة التي تجري عليه. لكن الثابت أن الشعوب نفسها تقوم بتطوير تراثها وأن العمليات الجراحية المقصودة التي قد تجرى على التراث في المختبرات ومعامل الكيمياء لن تنتج إلا جنيناً مشوهاً. مرة أخرى قضت سنة الحياة أن يكون التراث بكل أشكاله من إنتاج خبرات الشعوب وأن الذاكرة الجمعية تتشكّل بفعل الحياة المتفاعلة والاشتباك المتصاعد والتفاصيل المختلفة وأن هذا من شأنه أن يدفع لعمليات تطوير تبدو طبيعةً ضمن النسق العام لحياة الشعوب وليس ضمن عمليات مقصودة. لأن الهوية الوطنية بالقدر الذي تساهم القوى المختلفة في صناعتها فإن جزءاً كبيراً منها يبدو طبيعياً ونتاجاً طبيعياً للتجربة الوطنية.
وهذا بالضبط ما فهمته منظمة التحرير بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة حين تمت إعادة بعث الروح الوطنية والحفاظ على الهوية الوطنية سواء عبر البندقية المطالبة بالحق السياسي إلى القصيدة المقاومة واللوحة التي تعيد تثبيت القرية التي هجر منها سكانها إلى أغاني نوح إبراهيم وثورة العام 1936. لكن الثورة الفلسطينية أيضاً وبفعل حالة الاشتباك اليومي والتفاعل الديناميكي مع الجماهير نجحت أيضاً في أن تبلور هذه الهوية الوطنية وتطورها بحيث أصبحت أغانيها جزءاً أصيلاً من هذا التراث، بحيث يصعب التمييز بين أغاني العاشقين مثلاً وبين أغاني ثورتي البراق و1936. والحقيقة أن العاشقين تبرع في الدمج بين التراث القديم وبين تحويراتها عليه، فلا يبدو الأمر إلا امتداداً طبيعياً لنهر الحياة الفلسطينية وليس عمليات تجميل فاشلة.
كنا دائماً نشكو من أن على المسؤولين أن يتدخلوا لكي يوقفوا نزيف التراث الوطني وأن تتم ملاحقة منتجي ومروجي هذه الأغاني الحزبية التي تسطو على التراث حتى لا يتم جرف ذائقة الشعب نحو هاوية أخرى. وكانت دائماً الحالة الوطنية والصراخ والصراع الحزبي والديني ربما أكبر من الجميع وكانت تذهب مناشداتنا أدراج الريح.
يوم أمس وحين بدأت فرقة العاشقين بالشدو في صالة فندق المتحف على شاطئ غزة ضمن احتفالات حركة فتح بذكرى انطلاقتها الثامنة والأربعين كان يجب أن نتيقن بأن الفن الوطني الأصيل وحده يبقى. كان الجميع يردد خلف العاشقين ما يحفظونه من أغانيها عن ظهر قلب. لم يكن صغير ولا كبير يفوته مقطع ولا شطرة من قصيدة وحتى مقدمات الأغاني النثرية منها والشعرية كان الكل يحفظها. في العاشقين شيء من فلسطين، شيء لا يمكن شرحه ولا تفسيره لكنك تحسه وتشعر به فور أن تسمع أول أغنية فتجد فلسطينيتك.
تستحق العاشقين شكراً خاصاً لأنها ذكّرتنا بأن الناس لا تنسى تراثها وأن عمليات التشويه التي تجري لا تمحو من ذاكرة الناس الأصالة التي وجدت معهم منذ ميلادهم. وتستحق أن تظل فرقة الشعب الفلسطيني بامتياز.