خطوات إسرائيلية ثلاثة ستدفع السلطة لاستئناف المفاوضات قريبا ً
ازدادت وتيرة الاتصالات والتصريحات الأوروبية والأمريكية خلال الشهرين الأخيرين الهادفة إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعيد انتخابات الكنيست التاسعة عشرة، وعلى المُرجح أن يتم ذلك في شباط المقبل. وعند النظر مليا في عودة الاتصالات الأمريكية مع السلطة الفلسطينية والتي من بينها لقاء المبعوث الأمريكي ديفيد هيل بالرئيس محمود عباس في عمان بعد انقطاع وتوتر في العلاقات بينهما بسبب اصرار القيادة الفلسطينية على خطواتها باتجاه المؤسسات الدولية، والتي تجلت بنيل فلسطين صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة قبل نحو شهرين على غرار الفاتيكان، يظهر بشكل جلي مدى إلحاح واشنطن لاستئناف المفاوضات التي ربطتها بالوضع المالي الفلسطيني.
ومن الواضح تماما أن استئناف المفاوضات ليست إرادة أوروبية وأمريكية فحسب بل وعربية أيضا، حيث أن بعض الدول النفطية امتنعت عن تحويل الأموال للسلطة ضمن شبكة الأمان التي أقرتها الجامعة العربية بناء على طلب أمريكي الامر الذي زاد من شدة الأزمة المالية، وذلك لدفع السلطة باتجاه استئناف المفاوضات مع اسرائيل.
ولا ننسى ماصرح به الملك الأردني عبد الله الثاني حول موقف بلاده الداعي الى ضرورة استئناف المفاوضات المباشرة بالتزامن مع توقف الإجراءات الإسرائيلية احادية الجانب المتمثلة بالاستيطان، وما نوه إليه كذلك إلى أن استئناف العملية التفاوضية على رأس أولويات الخارجية الأردنية.
إن من يتابع جليا هذ التحركات وكذلك التصريحات تشير إلى أن هناك حراك جدي على صعيد عملية السلام، في الفترة القريبة، سيترافق معها حلحلة على صعيد الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، كون الجانب الإسرائيلي سوف يفرج عن أموال الضرائب المستحقة لها بعد انتخابات الكنيست، وذلك لسببين رئيسين أحدهما داخلي يكمن في الايقان الإسرائيلي وخاصة الأمني بأن هذه الخطوة ليست من مصلحة تل ابيب، واما السبب الثاني، فيتعلق بالضغط الأمريكي على حكومة اليمين المرتقبة للقيام بإجراءات تشجع القيادة الفلسطينية على القبول بالمفاوضات المباشرة والتي على الأرجح سوف تكون في عمان.
وأعتقد أنه إضافة للإفراج عن أموال الضرائب سوف تقدم تل ابيب خلال الشهرين القادمين على خطوتين أخرتين لتهيئة الأجواء لهذه المفاوضات، أولها وقف أو "تجميد" الاستيطان ولو بشكل مؤقت، وثانيها إطلاق سراح دفعة من الأسرى من سجون الإحتلال ضمن ما تسميها حكومة تل ابيب ببادرة حسن نية.
ومن سيدفع حكومة اليمين التي ستفرزها انتخابات الكنيست، لإتخاذ الإجراءات الثلاثة سالفة الذكر، هو أوباما... نعم إنه أوباما الذي سوف يضاعف ضغوطاته على الحكومة الإسرئيلية القادمة وذلك لأنه في ولايته الأخيرة وسوف يكون متحررا من اللوبي الصهيوني عليه مايجعله أكثر شجاعة في دفع نيتانياهو لتليين موقفه، وهذا مالمح له ساسة وأمنين إسرائيليون أنفسهم.
بالفعل إنه لأمر يدل على أن ثمة إرادة أمريكية ودولية جدية هذه المرة لإستئناف العملية التفاوضية المتعثرة.
ولكن ما دام هناك نية جدية ومبادرات حثيثة لإستئنافها، ولا سيما ماقيل عن الخطة الفرنسية على هذا الصعيد التي أرى أنها ستكون منسقة من جميع الأطراف، هل ستسير هذه الجهود في سبيل حل القضية الفلسطينية بمفهومنا أو "الصراع" الفلسطيني الإسرائيلي بالمفهوم الدولي، أم أنها ستكون كما اعتدنا منذ سنين طوال ضمن "إدارة" قضيتنا و ما يعرف بهذا الصراع؟؟!!!
إن اعتقادي المتواضع يكمن في أن هذه الجهود لن تذهب بأي اتجاه لحل القضية الفلسطينية على أساس دولة فلسطينية على حدود عام 1967، بل ستكون في إطار إدارة المأساة غير المنتهية، وذلك لأن المناخ العربي والدولي لم يدرك حتى الآن وحتى بعد ما يسمى ب"الربيع العربي" ضرورة حلها بشكل عادل وجذري، وأن أي حل ليس جذريا سوف يكون بمثابة "تخدير" لا غير!.
ومن هنا، سنشهد استئنافا للمفاوضات المباشرة بعد الإجراءات الإسرائيلية الثلاث التي تحدثتُ عنها وسوف تأخذ زخما دوليا اكبر من المعتاد، وستكون القيادة الفلسطينة مضطرة في نهاية المطاف للذهاب للتحاور مع الإسرائيلي لأن إرادة "الأخ" عربي و"العم" سام تقتضي ذلك، بَيْدَ أنها سوف تستمر لأشهر قليلة يترافق معها تحسن في الخزينة الفلسطينية لفترة محدودة، وسرعان ما تتوقف هذه المفاوضات وتصل لطريق مسدود وبالتالي العودة للأزمة المالية المترنحة من جديد..... والسبب عزيزي المار على هذا المقال يكمن في أن هذه المبادرات لإستئناف المفاوضات تركز على الكيفية لحل القضية والتي هي مبنية على الأساس الدبلوماسي، وليس على ماهية الحل العادل والدائم المبني على وضع نهاية لأطول إحتلال في التاريخ... بمعنى أن المجتمع الدولي قرر أن هناك حل بالمفاوضات ولكنه لم يحسم بعد، طبيعة هذا الحل!.