تغريدة الصباح - كْرَنْشْ ..كْرَنْشْ..كْرَنْشْ

2013-01-31 09:24:00

هذا صوت شرائح البطاطا المقلية، على الطريقة الغربية.
يمضغها جاري في المقعد مع صديقته التي تعرف عليها للتو.
اختارها هي ليقضي ساعات السفر الطويلة.
حسنا..لدي ما أقرأه على أية حال.
لم يكن التركيز ممكنا مع كْرَنْشْ.
فاختلسَت أذني الكلمات دون إذن مني.
طلع أخينا شاعر، برقة شرائح البطاطا
:»أنا» كانت الكلمة الاولى له
ثم: «أنا لا أتغير في الأمكنة، أو في الأزمنة».
ثم:»أنا وروحي متشابهان».
أف.. ! حسدته.. تقريبا على ثباته في المكان والزمان،
ليتني مثله... أبدا، أنا اتغير في كل مقام ومكان. أسكت تماما إذا كنت في العراق، خوفا من ان أقابل شيعيا أو سنيا أو مسيحيا، قد يبطش بي.
أتحدث بلكنة فرنسية في لبنان، لكي لا يكتشفوا فلسطينيتي.
وأخفض صوتي في عمان، لكي لا يسألني أحد وأنفضح بجواز سفري.
وأرفع من صوتي في الجزائر، لكي لا يطلبوا لي ساندويشا باللحم.
وأخفي جريدتي العربية في جريدة لوموند في باريس.
كْرَنْشْ...كْرَنْشْ..كْرَنْشْ...
تابع شاعرنا: «سيصدر لي ديوان شعر، بعنوان أرواح مسافرة، وتطلبني صحف مهمة في لندن وفي بيروت والقاهرة، لدي فكرة لفيلم عن حياتي ومسيرتي الثقافية».
لم يكن ممكنا رؤية عينيه، حين لخص لها (بروفايلو). ولم اتمكن من سماع السيدة بوضوح، إذْ قطع صوت كْرَنْشاته أوصال جملَها.
هي من طبقة الـ»NGO» (منظمة غير حكومية). وتعمل على برنامج لتدريب الصحفيين السوريين في العراق، الى حين ان تهدأ الأحوال في سوريا ويتغير النظام، وتنصب المنظمات خيامها في المكان.
ممممممم... لقد بدأت جحافل الـ»NGO» بالاستعدادات اللازمة للاحتلال الجديد، وشرحَت السيدة لشاعرنا «بانهم قد أدوا واجباتهم الإنسانية، في العراق وفلسطين وبات الرحيل ممكنا».
أذكر أن عدد المنظمات غير الحكومية في العراق، لم يتجاوز الصفر، وارتفع العدد الى خمسة عشر الف منظمة، وذلك بعد ثلاث سنوات فقط من بداية الحرب.
وبلغ عدد المنظمات في فلسطين 1320 منظمة، كانت تعمل تطوعا قبل اوسلو، واليوم وصل العدد الى 3400 منظمة.
في فلسطين كما هو الحال في العراق، اقتصر العمل في مثل هذه المنظمات على حفنة من المتحدثين باللغة الانجليزية، او لمن كانت لهم علاقة مع صياد «NGO» ماهر.
وإلا فلن يكون بامكان المرء أن يقضي أيامه خارج المقاهي والمطاعم، التي افتُتِحت على عجل، في البيوت القديمة، على أساس انه (ستايل)، أو في البنايات الحديثة، التي تزينت بالمرايا والصور، التي تشي بخلفية ثقافية (راقية) لصاحبها العائد من أحد المنافي.
وللدخول الى هذه المقاهي، على المرء أن يدفع ثمنا لقطعة الكيش (نوع من العجة الغربية على شكل كعكة) ما يوازي نصف راتب يوم لعامل المقهى نفسه.
الى سوريا إذاً... أو ليبيا... ومصر...الى هناك يا قوم، سنبذر الراتب الضخم، ونحتل الفنادق الراقية، وننظر من النوافذ، الى الشعب الفقير الذي أتينا باسمه، للعمل على تطويره بحيث لا يغتصب شقيقاته او بناته من القهر.
كْرَنْشْ...كْرَنْشْ...كْرَنْشْ...
يتحدث أخينا الشاعر عن تخلفنا مستنكرا.. وعن الحرب التي يخوضها ضد قوى الظلام في بلاده، وذلك من المنافي الغربية، حيث وجد له زوجة بيضاء، ظنت أن الشمس تسكن على جلده، وهو بدوره اتخذ منها وسادة مؤقتة، ومعا اقتنيا كلبا لا يعض.
تبادلا قبلات الوداع، ثم نظر نحوي بعيني مسامحة لوجودي في هذا المكان. اشرت له بان يزيل قطعة بطاطس عالقة على زاوية فمه. وبأن الأخضر الابراهيمي اعلن عن رحيل بشار القريب. وبأنه لم يعد بحاجة لـ»NGO» ليحارب شيطان التفاصيل.