الاستيطان: الفاكهة المحرمة.... والطرقات المسروقة
أقرت الحكومة "الإسرائيلية" خطة استيطان “وتطوير” بما يسمى E1، ومن الغباء القول أو الاعتقاد أن ذلك يأتي رداً على ذهاب الفلسطينيين للأمم المتحدة وحصولهم على عضو مراقب في المنظمة الدولية. الخطة وضعت حيز التنفيذ منذ العام 2004 من قبل وزارة الإسكان وبلدية مستوطنة معالي أدوميم، 12 ألف دونم محصلة ما سيتم سرقته من الفلسطينيين، وبناء 3500 وحدة سكنية في تلك المنطقة. الخطة التي جمدت سابقاً نفذ منها الجزء المتعلق ببناء مقر عام للشرطة الإسرائيلية، ولم يتم التعامل مع بناءه في إطار خلق وقائع جديدة على الأرض، ولا هو ضمن "حاجات النمو الطبيعي والتي تشكل الدعاية الأكثر وقاحة في المشروع الاستعماري في فلسطين"، فمستوطنة معاليه أدوميم هي المستوطنة الأكبر من بين المستوطنات الموجودة في الضفة، حيث يصل عدد سكانها إلى 36,000 مستوطن وتبلغ مساحة منطقة نفوذها 50 كيلومترا مربعاً، وهو ما يعادل مساحة منطقة نفوذ مدينة تل أبيب، علما أن عدد المستوطنين بمستوطنة معالية أدوميم لا يتجاوز 10% من عدد سكان تل أبيب، مع ذلك، لا تزال هذه المستوطنة تشهد توسعاً ونمواً مطّردين.
لم يكن المقر الشيء الوحيد الذي تم بناءه في هذه المنطقة، شبكة الطرق البديلة التي مولت وكالة التنمية الأمريكية أجزاء كبيرة منها، إضافة إلى بعض المانحين الآخرين، ستوفر في مراحل لاحقة البديل لشبكة طرق بين شمال الضفة وجنوبها. حيث ترافق مع خطة E1 تأهيل طريق رام الله- أريحا (الـمعرجات) بتمويل ياباني (بدء المشروع ولم يكتمل)، وترافق أيضاً مع عمليات توسيع كبيرة جرت طول الأعوام الماضية على شارع العام الموصل إلى مدينة أريحا. وكل ما كان يجري على تلك الطرقات كان تنفيذاً لما يعرف بالخطة E1 وتجهيز للبنى التحتية للمستوطنات القائمة ولعمليات التوسع التي ستنشأ لاحقاً. وارتبط ذلك في إطار أوسع حيث وضع مركز RAND وهو مركز أبحاث أمريكي مقرب من البنتاغون (نظرية القوس)، وهي مشروع خاص بشبكة طرق فلسطينية جديدة كما تبين الخارطة، والهدف دمج المدن الفلسطينية في شبكة مواصلات واحدة عبر إنشاء سكة حديد تربط مدن الضفة الغربية مع بعضها البعض.وبالتالي إلغاء التواصل الطبيعي بين المدن الفلسطينية، على اعتبار أن شكل التواصل القائم حالياً بين تلك المدن غير مفيد ومقيد لعملية التنمية في مرحلة الدولة.
يترافق هذا مع توقعات أن ينمو عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة من نحو 3.6 مليون نسمة إلى 6.6 مليون نسمة بحلول العام 2020، يحتشدون فوق 2300 ميل مربع، حيث تبلغ الكثافة السكانية الراهنة لفلسطين 1400 نسمة في الميل المربع الواحد، وهي الأعلى في العالم. إذ لا تزيد الكثافة السكانية لهولندا (وهي الأعلى في أوروبا) على 1200 نسمة في الميل المربع، كما لا تزيد في إسرائيل على 770 ميل. أما الدولة الأكبر والأعلى كثافة فهي بنغلاديش التي تبلغ كثافتها 2200. وبالتالي، فإن الكثافة السكانية للفلسطينيين بحلول العام 2020 ستصل إلى 2400 في الميل المربع، متجاوزة حتى بنغلاديش. هذا ضمن الوضع القادم، ولكن سيترافق مع مزيد من سرقة الأراضي ومعدلات النمو ستصبح بلا منازع الأعلى كثافة في العالم.
مقاطعة وبأسنان حادة..
حملة مقاطعة منتجات المستوطنات التي قادتها وزارة الاقتصاد يمكن وصفها بأنها لم تكن جادة إطلاقاً، وبقيت محصورة بالإعلام وبضعة قرارات، مع خطوات رمزية، وتدل بيانات جهاز الإحصاء المركزي أن عدد العاملين في المستوطنات الإسرائيلية ارتفع من 11 ألف عامل في الربع الأول 2011 إلى 12 ألف عامل في الربع الثاني 2011، وارتفع العدد من 15 ألف عامل في الربع الثاني 2012 إلى 16 ألف عامل في الربع الثالث 2012. وهو مؤشر على عدم فعالية الحملة التي قادتها الوزارة ضد بضائع المستوطنات. إضافة إلى إشكالية أن تنظر وزارة فلسطينية إلى بضائع المستوطنات على أنها المشكلة الوحيدة، حيث ما يكون أكثر فاعلية هو مقاطعة المنتجات الإسرائيلية بشكل عام، والتي صدرت تصريحات سياسية حولها، ولكن دون أية خطوات عملية لتقليل التبعية الاقتصادية للاحتلال.
صادرات "إسرائيل" الزراعية ارتفعت في العام 2011 إلى 16%، وبشكل أساسي للعديد من الدول الأوروبية والى أمريكا الشمالية. ومن خلال علاقة مع شركات أوروبية تعيد الأخيرة تدوير تلك المنتجات إلى بعض الأسواق العربية، حيث نشر تلفزيون الجديد اللبناني نهاية العام 2012 تحقيق استقصائي حول منتجات زراعية إسرائيلية تم تصدريها عبر شركات هولندية إلى مراكز تسوق في لبنان الشركة الهولندية لم تكفل نفسها عناء إلغاء مصدر المنتج وقامت بتوريده مثل ما هو لزبائنها في لبنان. مع العلم أن السوق الخليجي بشكل عام يمثل الهدف الأكبر للموردين الإسرائيليين بدءاً من البذور والأسمدة الزراعية وصولا إلى صناعة الملابس لاعتبارات القدرة الشرائية العالية والاقتصاديات المزدهرة هناك.
يتضح أنه ليس فقط أن بعض الشركات الغربية متورطة لحسابات اقتصادية وسياسية في تسويق تلك البضائع في العالم العربي، بل أن بعض الحكومات الغربية كالحكومة الهولندية أقامت حظرا على تمويل نشطاء المقاطعة الفلسطينيين، وإدراج العديد من المؤسسات الأهلية الفلسطينية الداعمة لحملة المقاطعة (BDS ) على قائمة الممنوعين من الحصول على تمويل من الحكومة الهولندية أو الاستفادة من الأموال التي تدفعها الحكومة إلى هيئات الأمم المتحدة العاملة في فلسطين المحتلة. الرد الذي كان متوقعا من الحكومة أن تساءل هذا التوجه في الإطار العملي، كان على الحكومة أن تدعم حملة المقاطعة سياسياً ومالياً وعملياً، لكن هذا لغاية الآن لم يحدث.
بالرغم من التغيرات السياسية في مصر والاحتجاجات المتتالية أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة وتشكيل حكومة من الإخوان المسلمين إلا أن ذلك لم يؤثر على الصادرات الإسرائيلية إليها، ووفقا لما صرحت به هيئة التصدير والتعاون الدولي الإسرائيلية فقد ازدادت عملية تصدير البضائع من إسرائيل إلى مصر بنسبة 60% في العام السابق بحيث وصلت إلى 236 مليون دولار، وترى الهيئة السبب في هذه الزيادة إلى حاجة مصر للمواد الكيميائية تحديداً الأسمدة الزراعية، إلا أن الواردات من مصر إلى إسرائيل قلت بنسبة 50% في العام السابق بحيث وصلت إلى 180 مليون دولار. وهذا يؤكد أنه ما زال ينظر إلى إسرائيل على أنها التأشيرة الجيدة للدخول إلى أمريكا.
المقاطعة لكافة المنتجات "الإسرائيلية" والشركات الأجنبية المتعاونة هو ما يحتاج إلى العمل به أولاً الفلسطينيين، حيث أن الحملة التي انطلقت من رام الله وقادتها وزارة الاقتصاد في هذه المدينة المتنوعة لم تفلح بإقناع محلات التسوق الكبيرة بإنزال بضائع المستوطنات من على رفوف متاجرها، وبقي جزء كبير من طبقة الأغنياء والمنتمين للطبقة الوسطى عازفين عن شراء المنتجات المحلية. ورداً على عقاب نتنياهو-ليبرمان بحجز أموال الضرائب دعا رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض إلى مقاطعة شاملة للبضائع الإسرائيلية. وأن وصفتها عميرة هاس بأنها "مقاطعة بدون أسنان" وبدون جدوى اقتصادية، فهو صحيح من ناحية أن توقف الطلب على المنتجات الإسرائيلية لن يؤدي إلى انهيار اقتصاد الاحتلال، لكن المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية بالضرورة سيزيد الطلب على المنتجات المحلية وقيام صناعات بديلة للمنتج الإسرائيلي، ومن ناحية وطنية وأخلاقية يتوقف الفلسطينيون عن تمويل صناعة الاحتلال عبر شرائهم لتلك المنتجات، وحينها ستصبح المقاطعة فاعلة وبأسنان حادة في سياق العمل على المستوى المحلي والعربي والدولي.
ليس حقيقياً أن السوق الفلسطيني عامل غير مؤثر في الاقتصاد الإسرائيلي حيث أن مجموع ما صدرته "إسرائيل" لأهم عشر دول في الأرباع الثلاثة من عام 2012 بلغ 19 مليار دولار باستثناء تجارة الألماس (بريطانيا، أمريكا، الصين، هولندا، ألمانيا، تركيا، الهند، فرنسا، ايطاليا والبرازيل) وصدرت لفلسطين ما يقارب ال3 مليارات دولار، لذا فان فلسطين تعتبر المكان الأكثر أهمية بعد الولايات المتحدة، والأول عالمياً كوجهة تصدير من حيث عدد السكان وحجم الاقتصاد. مع ملاحظة أن الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الأمنية لا يتم بيعها للفلسطينيين، ولا يدرج الفلسطينيين ضمن إحصائيات التجارة الخارجية وذلك لأن مراكز البحث التابعة لسلطة الاحتلال لا تنظر إليها كسوق منفصلة عن السوق الإسرائيلي، وتدخل ضمن حساب ضريبة القيمة المضافة وليس الجمارك.
اللافت أنه بالرغم من الإعلانات الأوروبية المنتقدة للاستيطان إلا أن حجم التجارة مع بريطانيا ارتفع إلى 2.09 مليار دولار نهاية 2012 بزيادة 9% عن العام السابق، وقد حسنت "إسرائيل" علاقتها الاقتصادية أيضاً بالصين والتي ارتفعت صادراتها إليها حوالي 18% (حوالي 2 مليار دولار) مغطية العجز التراجع الذي انخفض بنسبة -25% مع تركيا (مليار دولار).
تسوق البضائع الإسرائيلية يتم عبر أسماء وطرق مختلفة، ومن اجل تجاوز التحايل الذي تقوم به الشركات الإسرائيلية حول منشأ تلك المنتجات (التوت الأراضي، الافوكادو، البطيخ، الموز، التمور، البندرة، النبيذ ...الخ) يمكن إدراجها ضمن السلع المشبوهة. والتعامل مع تلك المنتجات كتجارة الماس في أفريقيا، منتجات ملطخة بالكثير من الدماء والنهب. إلى جانب العديد من الصناعات الأمنية التي توردها إسرائيل إلى مجموعة واسعة من دول الاتحاد الأوروبي وغيرها من بلدان العالم والمجربة على الآلاف الضحايا الفلسطينيين. وبإدراج شروط جزائية ومزيد من إجراءات التدقيق على الشركات الأجنبية الموردة للأسواق العربية يمكن تجنب دخول العديد من البضائع الإسرائيلية إلى الأسواق العربية. والتحدي أمام نشطاء المقاطعة ليس فقط الأسواق الأوروبية، بل أيضاً في جزء من الأسواق العربية والأسيوية التي بدأت تجارة إسرائيل معها تزدهر، والتي من الممكن أن تجد أيضا بيئة حاضنة وداعمة لمثل هذه الدعوات للمقاطعة الشاملة.