النقابات... والمسؤولية الوطنية

2013-02-23 15:08:00

من السهل على أي كاتب أن ينتقد سياسات الحكومة والحكومة ذاتها ورئيسها أو أي مسؤول آخر، وهذا حق لا يمكن مصادرته مهما كان ضيق صدر بعض المسؤوليين باعتباره جزء من "حرية التعبير". لكن يتوقف الكتاب كثيرا عندما يتعلق الأمر بالنقابات وطرق عملها، وبأحقية الاضراب، خوفا وجزعا من انتقادها أو المساس بمكانتها المرموقة في الدفاع عن الحقوق ومواجهة سياسات الحكومة التي قد نعتقد أنها خاطئة.

يدرك الفلسطينيون أهمية تحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين/ات وموظفي/ات الصحة، ويؤيد أيضا الجميع هذه المطالب ليس فقط لتحسين رواتبهم بل لإعادة الاعتبار للمعلم/ة وتحسين مستوى التعليم بشكل عام وتطوير المناهج التعليمية وأساليب التدريس، وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع الصحة فمن منا لا يرغب بأن يذهب الى المصحة العامة وهو واثق بأنه في أيدي أمينه وأنه يعالج وفقا لأفضل المعايير أو أنه سيخرج منها دون أضرار على الأقل. لكن وبصراحة على الرغم من هذا التأييد الواسع لا توجد قناعة لدى المواطنين حتى الآن اذا ما تحسنت رواتب المعلمين/ات وموظفي/ات وزارة الصحة سيرافقه تطور في الخدمات وتحسن في الأداء.

وعودة الى اضراب المعلمين/ات وموظفي/ات وزارة الصحة؛ فقد بات الأمر مفزعا سواء كان لناحية دوام الطلاب الذي بات في الشوارع أكثر منه في المدارس، وقد يقول البعض أن المعلمين/ات لا يداومون في السنة سوى 180 يوما أي ما يعادل نصف السنة  مقابل راتب لكامل العام. وكذلك الأمر مفزع للصحة عند تحديد يوم عمل واحد "الثلاثاء" للقطاع الصحي العام وتحديد عدد العمليات في اليوم وطبيعة المتابعات الطبية المسوح بها مما يشكل تهديدا صحيا للمجتمع وتكلفة مالية على المواطنين المحتاجين للطبابة خاصة الفقراء والموظفين الذين يعتمدون بالأساس على خدمات وزارة الصحة.

في كل الأحوال لسنا مطلقا ضد الاضرابات، بل هي جزء من الحراك الاجتماعي وهي أيضا وبالأساس للمشاركة في بناء السياسات الوطنية على مستوى الدولة، بل نحن ضد تسييس هذه الإضرابات واستغلالها في الصراع على منصب رئيس الحكومة أو ضد رئيس الحكومة لتصفية حسابات شخصية أو حزبية؛ كاستخدامها من قبل بعض المتنفذين من مبدأ أولاد "زعران" الحارة الشعبية "إما لعيب أو خريب" فالحياة العامة لا تسير بهذا النمط خاصة أن الاتفاقات الموقعة مع الحكومة قد توصلت لحلول لكثير من الاشكالات ولأن "الحياة مفاوضات" فعمل النقابات مفاوضات وليست كلها اضرابات.

فأصل الأزمة المالية ليست فقط لخطأ في السياسات العامة التي انتهجتها الحكومة، كما ما زلت أعتقد، بل أيضا بقرار أميركي اسرائيلي وكذلك عربي عقابا على ما اقترفه من ذنب، شاركنا به جميعا، وهو التحرك السياسي خارج رعاية دولة "العم سام" وتمردنا بتحرير إرادتنا قليلا من قبضة الاحتلال والإدارة الأميركية. وإنها جزء من الضغوط على الرئاسة الفلسطينية تحديدا للرضوخ للأوامر الأمريكية الاسرائيلية بتواطؤ عربي واضح وفاضح من خلال عدم القيام بتأمين شبكة الأمان المالي العربي للفلسطينيين لاحتجاز اسرائيل أموال الفلسطينيين "المقاصة اللعينة".

الخيارات لدينا باتت محدودة، اما الذهاب في مواجهة مع الاحتلال وفي نفس الوقت نطور قدرتنا في التعليم والصحة باعتبارها اداة مقاومة أيضا، كما رأى آباؤنا، وإما السير في الفوضى من خلال الاضرابات دون مراعاة ظروفنا العامة.

ما زلت أؤمن أن النقابات الحرة والفاعلة هي ليس فقط من تنتصر لأعضائها بل أيضا هي التي تنتصر للمستفيدين من خدماتها. وأن النقابات القوية هي من تحظى بتأييد شعبي من خارج أعضائها لمناصرتهم ودعمهم في وجه الحكومات وسياساتها.

أخيرا، تفرض الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل أزمة سياسية عامة أكبر من الأزمة المالية، التي تُعذبنا جميعا، ذاتها أن ننظر في هذا الأمر بإطار وطني بعيدا عن المناكفات الشخصية وأوسع من المصالح الحزبية الضيقة لنتجاوز الأزمة الوطنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ونعيد الاعتبار للمصالح الوطنية وان كانت على حساب المطالب النقابية المحقة قبل أن تخسر التأييد الشعبي لنقاباتنا وتتآكل قوانا الذاتية.