حياتنا - الحقبة الفياضية
قرأت مقالا في صحيفة هآرتس الاسرائيلية للكاتب الاسرائيلي عاموس غلبوع انتقد فيه عبادة الاصنام في اسرائيل بتحويل الجندي الاسير جلعاد شاليط الى صنم وبطل بينما كان بوسعه ان يقاتل بدل الاستسلام في معركة اسره وقال الكاتب ان تحويل شاليط الى صنم ينم عن مرض اجتماعي خطير في المجتمع الاسرائيلي.
في المقابل هناك مرض اجتماعي في المجتمع الفلسطيني لا يقل خطورة عن المرض الاسرائيلي وهو تقزيم رجالاتنا وشخصياتنا العاملة والفاعلة وحتى المناضلة. فليس هناك احترام لكثير من شخصياتنا الاكاديمية والاقتصادية والوطنية لأننا لا نقيم هذه الشخصيات بمقاييس موضوعية وانما بمقاييس مزاجية وشخصية او فئوية بحتة.
ولنا في حالة الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء المستقيل احدث انموذج فالرجل اتهم بكل الاوصاف وصفق البعض لاستقالته كأنما تخلص من كابوس ولم يحاول أحد منا ان يضع الرجل في ميزان العدل وتعريضه لمقاييس النقد من حيث الأداء والعمل لانصاف الحقيقة سلباً أو ايجاباً. وآخر بدعة ان سلام فياض صناعة اميركية ويريده الاميركيون ان يبقى ولو كان الأمر كذلك لما احتاج الرئيس اوباما لاقناعه بالبقاء بل كان سيأمره اصغر موظف اميركي بذلك، وما احتاج الأمر لوزير الخارجية كيري ان يلتقيه ويتصل به ايضا. فالرجل ابن بلد وابن قرية وليس طارئا على الساحة الفلسطينية حتى ينهشه البعض دون وجه حق.
فلا يجوز ان نبخس الرجل حقه في عجالة تقديم اوراق اعتماد للعبث فهو قدم خدمات كبيرة لشعبه.. ولعلي تابعته منذ بداية عمله في وزارة المالية وطلب دعم قلمي شخصيا في معركة تحويل الرواتب العسكرية الى البنوك لتوحيد حسابات السلطة وصولا الى الشفافية المطلوبة دولياً من المانحين.. وهو ذرع المدن والمخيمات والقرى ومنطقة سي وغيرها دون كلل وافتتح طرقا ومشاريع شتى فيما غيره لم يفتح علبة سردين وينتقده وأقام هياكل حكومية ما زالت صامدة وحاول وضع المواطن امام واجباته طالما يطالب بحقوقه وهو ما أثار غضب من اعتادوا على الأخذ دون عطاء. ولعل انجازه المهم هو انقاذ فتح نفسها بفرض الأمن ودعم أجهزة الأمن المشكلة اصلا من عناصر فتح.
وحتى عندما اتهمه خصومه بأنه يحاول ان يمارس السياسة فهل هو كائن غير سياسي حتى يحرم عليه ممارسة السياسة؟ فكل انسان له الحق في العمل السياسي. لكن فياض لم يقم امبراطورية سياسية له ولم يسخر منصبه لانشاء مركز قوى، ولهذا لم نجد اصواتا ترفع عقيرتها بالهتاف له.. لكننا نعلم ان شريحة واسعة من العقلاء والمثقفين والبسطاء يعترفون أنه طوال سني عمله الرسمي ترك بصمات بارزة في التاريخ الفلسطيني لا يمكن نفيها بتصريح او كلمات عشوائية. علينا ان نقول للرجل الفلسطيني القروي شكرا لقد ابدعت وقاسيت وتحملت لأنك ابن بلد وسامحت من تطاول عليك دون وجه حق من موضع الأصالة القروية والاقتدار.. اما مرضى النرجسية والأنانية فهؤلاء لا علاج لهم إلا إذا نظروا الى داخلهم.