عن النكبة وراهن القضية

2013-05-13 11:09:00

تحل الذكرى السنوية ال 65 لنكبة فلسطين، بينما تشهد القضية الفلسطينية ويعيش نضال شعبها محطة سياسية لا يفوقها خطورة سوى محطة ما بعد وقوعها في العام 1948 . لذلك صار ثمة حاجة إلى إعادة تأكيد المعنى الحقيقي لهذه النكبة بوصفها حدثاً تاريخياً فتح الطريق لتجسيد هدف سياسي اسرائيلي بعيد المدى: استيطان أرض فلسطين التاريخية وتهويدها وتشريد سكانها الأصليين، وبدقة أكثر تشريد أصحابها التاريخيين، العرب الفلسطينيين .

يحيل الكلام أعلاه إلى أن تأكيد معنى النكبة الحقيقي لم يكن فقط حاجة فكرية لتثبيت الرواية التاريخية العربية الفلسطينية، أي الفعلية، للصراع، بل كان أيضاً، وهو الأهم، حاجة سياسية لكشف جوهر المشروع الاسرائيلي ولضرورة عدم التعامل السياسي معه إلا بوصفه - كما هو حقاً - مشروعاً لاستيطان أرض فلسطين وتهويدها، ذلك ليس كما يدل الخطاب الفكري والسياسي الصريح لأصحاب هذا المشروع، فحسب، لكن أيضاً، وهنا الأهم، كما دل، ولا يزال، تاريخهم الذي لا نصدق، ويجب ألا يصدق أحد غير ما برهن وأثبت وأكد .

المعنى الحقيقي

عشية النكبة كان مهماً تأكيد معناها الحقيقي لمنع وقوعها . وبالمثل كان ذلك مهماً غداة وقوعها لرفض التسليم بنتائجها الأولية . أما وقد صار الجانب الاسرائيلي بعد مرور 65 عاماً على النكبة يملك ويسيطر ويستغل 85% من أرض فلسطين التاريخية، فإن كل حديث عن إقامة دولة فلسطينية من دون استعادة الأرض والسيادة الكاملة عليها، لم يعد حديثاً بلا معنى، فحسب، بل ويفتح باب مخاطر تصفية القضية الفلسطينية باسم تسويتها، أيضاً .

فقادة إسرائيل- منذ نشأتها- لم يوافقوا يوماً على فكرة تقسيم أرض فلسطين، بل أرادوها كاملة من البحر إلى النهر . هاكم مثلاً: في مقالة له ينتقد فيها تلفظ نتنياهو بفكرة الدولة الفلسطينية يشدد موشي آرنز، (وزير دفاع أسبق وصقر ليكودي سابق بوزن بيغن وشامير)، على عدم جواز، وعدم شرعية، التلفظ بإقامة دولة فلسطينية . أما لماذا؟ يقول آرنز: “يكفي أن ابن غوريون تنازل عن الضفة الشرقية-يقصد الأردن- من أرض اليهود” . ويضيف: “كان هذا خطأً تاريخياً رفضه جابوتنسكي”، أي الأب الروحي لحزب الليكود .

ويشير إلى أن ورثة جابوتنسكي، أي بيغن وشامير، رفضا “موافقة ابن غوريون الخاطئة على قرار تقسيم أرض اليهود”، رغم معرفتهما بأنها مجرد تكتيك اضطراري لكسب شرعية إقامة إسرائيل في هيئة الأمم، بدليل أن بن غوريون - والكلام لآرنز - كان طرح ودعم اقتراح احتلال ما تبقى من أرض اليهود - يقصد الضفة وغزة - على حكومته في شهر تشرين الأول، عام ،1948 أي بعد خمسة شهور فقط من إقامة إسرائيل، لكن اقتراحه “سقط بفارق صوت واحد”، الأمر الذي أدى، (وفقاً لآرنز أيضاً)، “إلى خطأ تأجيل تحرير هذا الجزء من أرض اليهود حتى العام 1967” .

تفسير

يفسر ما تقدم، بلا لبس أو إبهام، لماذا يركز قادة إسرائيل اليوم على مطالبة العرب والفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل “دولة للشعب اليهودي” . فبعد فرْض جوهر مشروعهم على 85% من الأرض لم تعد المسألة بالنسبة إليهم مسألة تعديلات حدودية يمكن حلها من خلال موافقة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم “لجنة متابعة مبادرة الجامعة العربية” على تنازل “تبادل الأراضي” الخاطئ كمبدأ، والمتسرع والمجاني كتكتيك تفاوضي، وإلا ما معنى أن يعلق نتنياهو على هذا التنازل، وهو المبتهج به بلا شك أو ريب، بالقول: “المشكلة الأساسية في صراعنا مع الفلسطينيين ليست حول الأرض، إنما حول رفضهم الاعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي” .

وبالمناسبة ثمة فرق جوهري-ينسى أحياناً- بين “يهودية” إسرائيل وبين إسرائيل “دولة للشعب اليهودي” . وهو الفرق الذي يحيل إلى الفرق بين صيغتي “حل الدولتين” و”حل الدولتين لشعبين” . إن الانسياق خلف وهم إحراز دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 من خلال تقديم المزيد من التنازلات في ملهاة مفاوضات يريد قادة إسرائيل، بدعم أمريكي، استئنافها من دون شروط مسبقة . بل، ويعتبرون أن معيار جدية المفاوضات يكمن في الاعتراف بكيانهم “دولة للشعب اليهودي”، سيان: قبل استئناف هذه المفاوضات كما يحاول-بضغط صريح- نتنياهو، أو بعدها، أي نتيجة لها، كما يحاول-بضغط مخاتل- كل من ليفني وبيريس وأولمرت . هنا ثمة خطر فعلي يحيق بالقضية الفلسطينية . وهذا استنتاج لا مبالغة فيه ولا تطير . أما لماذا؟

العامل الوطني الفلسطيني بعد مرور 65 عاماً على وقوع النكبة يعيش وضعية سياسية ومجتمعية هي الأكثر هشاشة وضعفاً والتباساً منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة في أواسط ستينات القرن الماضي .

ويعود السبب في ذلك-جوهراً وأساساً- إلى استفحال وتفاقم وتعمق الانقسام العمودي الداخلي الذي عوض عن أن يبادر طرفاه إلى إنهائه يواصل كل منهما استخدام “حصته” من “سلطة أوسلو” الوهمية مع ما له من دعم خارجي، أداة لمنافسة الطرف الآخر على تمثيل الشعب الفلسطيني الذي يتعرض- في الوطن والشتات- لعملية استباحة مخططة وشاملة غير مسبوقة، بينما تسير على قدم وساق، وبتكثيف وتسارع مرعبين، عمليات تهويد واستيطان ومصادرة والسيطرة على ما تبقى بيده من أرض .

العامل القومي حدث ولا حرج، فانتفاضات الشعوب العربية عوض أن تؤدي إلى مضاعفة الدور العربي في دعم قضية فلسطين، أدت، (لأسباب صارت معروفة وليس المجال هنا للخوض فيها)، إلى تراجع هذا الدور وانكفائه وتفككه ورفع وتيرة انقساماته وخصوماته بصورة لم يشهدها من قبل، وموافقة “لجنة متابعة المبادرة العربية”، عوض سحب هذه المبادرة أو التلويح بذلك، كافية للتدليل على ما يعيشه العامل القومي للقضية الفلسطينية من وهن وضعف غير مسبوقين .

في مقابل هذا وذاك يشهد الاحتلال الاسرائيلي منذ سنوات-في المجتمع قبل السياسة والأمن- حالة غير مسبوقة من التطرف السياسي والتشدد الأيديولوجي والتمادي العسكري والأمني تقودها “حكومة مستوطنين”، وفقاً لتوصيف جهات سياسية إسرائيلية، وتنساق خلفها وترعاها وتدعمها بلا حدود سياسة غربية ثابتة العداء للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه . أجل ثمة خطر محدق لكن ثمة أيضاً أملاً أن شعوب الأمة، وفي مقدمتها شعب فلسطين المكافح، قادرة على حماية قضية العرب الأولى .