رحل عاشق التراب

2013-06-17 07:42:00

شهق عبد الله حلوم شهقته الاخيرة وهو يسمع اسم ارضه «السطحة» وحرك عينيه, كانت زوجته تعلم بعد ان فقد الرجل التسعيني حواسه ولم يعد يتكلم ولا ينتبه الى اي شيء ولا يحفظ سوى اسم ارضه على سفح جبل الخواص والمسماة «السطحة»، ان لا شيء ينتشله من لاوعيه الا سيرة ارضه، لكنه في صباح الخميس لم يستجب لنداء الارض عندما قالت له زوجته لجلب انتباهه «هل تريد الذهاب الى السطحة» فأشار بعينيه بلا.. واسلم روحه مثلما اسلمها من قبله والده الذي كان ينام في ارضه خارج القرية ليتسنى له استصلاحها, وعندما سقط مريضا على سفح الجبل حمله احد الثوار ابان ثورة 1936 وظنه ميتا ونقله الى القرية مريضا وفي منتصف الليل استدعى ولديه وقال لهما هناك صخرة لم استطع زحزحتها بالنُخل «بضم النون والخاء» ويجب تكسيرها بالشاقوف اذهبا غدا وكسراها, ثم اسلم الروح.
مثل والده الذي اسلم روحه وفي نفسه صخرة من ارضه.. اسلم عبد الله الروح والسطحة في نفسه.. كان فقد الذاكرة منذ سنوات واحتفظ بمعرفة الطريق الوعرة الى ارضه واحيانا عثر عليه على سفح الجبل وقد قعد عند جذع زيتونة وفقد الشعور بالزمن واعيد الى منزله وهو غير واع.. واحيانا اخرى يقف في الطريق قبالة بيتي ينظر الى الدرب الذي ساره يوميا على مدى قرن الا قليلا وهو يعمل في ارضه, وكنت اراه يحرث ويكشكش النباتات الضارة ويبني السلاسل الحجرية فهو جارنا في الارض على سفح جبل الخواص.. يوقد النار للطبخ وعمل الشاي في الخلاء مع زوجته لم يكن يعمل بسرعة بل بهدوء وكان آخر من ينتهي من الحراث وقطف الزيتون.. فلا عمل له سوى هذه الارض، كرس نفسه لها منذ الصغر.. ولم ينجب من زواجه لأنه تزوج متأخرا وعندما داهمته الشيخوخة بعد الثمانين ظل يتردد على زيتوناته.. الى ان فقد الشعور بالزمن والمكان والاتجاهات ولم يعد ينطق الا باسم ارضه وشقيقه الاكبر الذي ما زال حياً في الخارج واخته التي رحلت من قبله. وهكذا رحل عاشق للارض بصمت.. ولم يبق سوى القلة من امثاله الذين ناضلوا على طريقتهم في رعاية الارض وخدمتها.. ومن بعدهم عادت ارضه شبه بور اجتاحها البلوط والاشجار البرية واخذ زيتونها يذوي رويدا.. فالارض تريد انسانها وان غاب غاب ألقها.